سورة آل عمران · الآية ٧٣ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَلَا تُؤۡمِنُوۤا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِینَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن یُؤۡتَىٰۤ أَحَدࣱ مِّثۡلَ مَاۤ أُوتِیتُمۡ أَوۡ یُحَاۤجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِیَدِ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِیمࣱ٧٣
الرسم الإملائيّ

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

الجزء ٣الربع ٢٣ صفحة ٥٩

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 73]

﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ وهذا لسان كلِّ أمـة إن نطقت بمقالها أو بحالها . ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ أي : ولا تظهروا إيمانكم ، فإن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، إلاَّ لأهل دينكم دون غيره ؛ أراد أسروا تصديقكم بأنَّ المسلمين قد أوتوا من كتب الله ، مثل ما أوتيتم ، ولا تفشوه إلاَّ إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ، ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ ولا يؤمنوا لغير أتباعكم ؛ إن المسلمين يحاجوكم يوم القيامة بالحقِّ ، ويغالبونكم عند الله بالحجَّة . ﴿ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٦٦

[سورة آل عمران — آية 73]

قوله : ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ يقوله بعضهم لبعض ، أي : ولا تصدِّقوا إلا لمن تبع دينكم فأخذ به . ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله ﴾ أي إن الدين دين الله ، وهو الإِسلام . قال : ﴿ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ إنما قالوا لأصحابهم اليهود؛ قال يهود خيبر ليهود المدينة : ( لاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ) ، فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ ﴾ بمثل دينكم أحد ﴿ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ . فقال الله : ﴿ قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى الله ﴾ ، وقال : ﴿ قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ الله ﴾ وفضل الله الإِسلام ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي واسع لخلقه ، عليم بأمرهم . ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ﴾ أي : بدينه وهو الإِسلام ﴿ مَن يَشَاءُ ﴾ وهم المؤمنون ﴿ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ .

وقال بعضهم : يقول لليهود : لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نَبيّاً مثل نبيّكم [ حسدتموهم على ذلك ] . ثم قال للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ : إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَالله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ .

وقال مجاهد : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ تقوله اليهود حسداً أن تكون النبوة في غيرهم ، وأرادوا أن يُتَابَعوا على دينهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٦٦

[سورة آل عمران — آية 73]

﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوا ﴾ لا تذعنوا وتنقادوا ﴿ إلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ﴿ قُل ﴾ أولا تصدقوا إلا من تبع دينكم ، والمراد التصديق فى الظاهر ، وإلا فكيف يصدقون من اتبع وهم عالمون بأنهم على باطل ، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار إلا لمن كان على دينكم فيما مضى ، ثم أسلم من الأوس والخزرج وغيرهم ، فإن رجوعهم عن الإسلام أقرب لذلك وأهم ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد ﴿ إنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ ﴾ الإسلام ، وأما اليهودية وغيرها فضلال ﴿ أَن يُؤْتَى ﴾ قيل متعلق بتؤمنوا على تقدير الباء وزيادة اللام فى لمن ، ومن مستثنى مقدم ، واحد مستثنى منه مؤخر ، أى لا تؤمنوا بأن يؤتى ﴿ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوِيتمْ ﴾ من الكتاب والعلم والفضائل ، كالمن والسلوى ، وفلق البحرإلا لمن تبع دينكم اليهودى ، وأما غيره فلا كتاب له ولا علم ولا فضيلة ، وعلى أن اللام غير زائدة يكون المعنى ، لا تقروا لأحد بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم ، فالمستثنى لمن تبع ، والسمتثنى منه محذوف ، تقديره لأحد ، كما رأيت ، والمراد كذبوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أو قد أوتى مثله وأصحابه ، لكن لا تعترفوا بهذا إلا لمن هو من أشياعكم ، ولا تعترفوا به للمشركين فيسلموا ولا للمسلمين فيزيدوا ثباتا ، أو يقدر ، قلتم آمنوا أول النهار ، واكفروا آخره ، حذر اعتقد غيرهم أن أحدا أوتى مثل ما أوتيتم ، وهذا أولى لسلامته من تقديم ما بعد أن المصدرية عليها ، وفى الوجه الأول ذلك بناء على أن لا صدر لها ، وهو قول الكوفيين ، وإذا جعلنا الاستثناء منقطعا لم يرد ما قيل ، أن المعنى لا تصدقوا بأن يؤتى أحد من المسلمين مثل ما أوتيتم إلا أن كان ذلك الأحد الذى من المسلمين موافقا لكم فى دينكم ، وإذا قلنا العامل إلا لم يلزم أيضا تقديم معمول الصلة ، أو هدى الله يدل أو بيان ، وأن يؤتى خبر إن ، فتكون أو بمعنى حتى وسببية ، فلا يختص عند ربكم بيوم القيامة ﴿ أَوْ يُحَآدُّوكُمْ ﴾ الواو لأحد ولعطف على يؤتى ، أى لا تؤمنوا ، ألا لا تعترفوا بأن يؤتى أحد ، وهم المسلمون ، مثل ما أوتيتم ، أو بأن يجادوكم لمن هو على دينكم ، والمحاجة المخاصمة ﴿ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ يوم القيامة فيغلبوكم ، لا تخبروا بهذا أحدل غير من تبع دينكم ويجوز كون أو بمعنى إلى ، وذلك محض عناد ، فإن المسلمين علامون بذلك ومجاجوهم وغالبوهم ، ولو لم يخبر أحد بذلك ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ ﴾ الإسلام والنبوة ، أو الحجج التى أوتيها صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ، ونعم الدين والدنيا فيدخل فيها ، فالمقام له أولا بالذات ﴿ بِيَدِ اللهِ يُؤتِيه مَن يَشآءُ ﴾ تفضلا وتوفيقا لا يمكن رفعه ولا رده ، ومن يهد الله فما له من مضل ﴿ وَاللهُ وَاسِعٌ ﴾ كثير الفضل ، عظم المقدرة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمستحقه ، الله أعلم حيث يجعل رسالاته وبمصالح العباد .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٦٦