سورة آل عمران · الآية ٧٧ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱلَّذِینَ یَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَیۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنࣰا قَلِیلًا أُو۟لَٰۤئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ وَلَا یُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا یَنظُرُ إِلَیۡهِمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ وَلَا یُزَكِّیهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ٧٧
الرسم الإملائيّ

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الجزء ٣الربع ٢٤ صفحة ٥٩

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 77]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ﴾ يستبدلون ﴿ بِعَهْدِ اللّهِ ﴾ بما عاهدوه عليه من الإيمان . ﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ متاع الدنيا ، ﴿ أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ﴾ أي : نصيب ، ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ ﴾ أي : لا يلهمهم الخير ، بإعراضهم عما يدلُّهم الملهم ، أو لا يعطيهم كتابهم بيمينهم ، ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ نظر رحمة ، ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ﴾ ولا يطهِّرهم من أدناس ما تدنسوا به من أقذار الذنوب؛ والمعنى : لا يغفر لهم ، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الدارين .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٠

[سورة آل عمران — آية 77]

قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ . هم أهل الكتاب كتبوا كتباً بأيديهم ، وقالوا هذا من عند الله ، فاشتروا به ثمناً قليلاً ، أي عرضاً من الدنيا يسيراً ، وحلفوا لهم أنه من عند الله . وكان ما ادّعوا من قولهم : ليس علينا في الأميين سبيل ما اشتروا به من عند الله وأيمانهم ثمناً قليلاً .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم لقى الله وهو عليه غضبان » قال عمر : إن ذلك لفي كتاب الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ . . . . إلى آخر الآية .

ذكروا عن الحسن أنه قال : ذكرت الكبائر عند النبي عليه السلام فقال : « فأين تجعلون اليمين الغموس » .

ذكروا عن ابن عباس أنه قال : إذا رأيتم الرجل يريد أن يحلف في يمين وجبت عليه ، فاقرأوا عليه هذه الآية : ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ . . . إلى آخر الآية .

قوله : ﴿ أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ﴾ [ أي لا نصيب لهم من الجنة ] ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ﴾ أي بما يحبون ، وقد يكلّمهم ويسألهم عن أعمالهم . ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ نظر رحمة ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ﴾ أي : ولا يطهّرهم من ذنوبهم ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٠

[سورة آل عمران — آية 77]

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ﴾ يستبدلون ﴿ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ يتركون ما عهد الله إليهم من الإيمان بالنبى صلى الله عليه وسلم وأداء الواجب وترك المحرم وأداء الأمانة ، وقيل ما فى عقل الإإنسان من اإعراض عن الباطل والانقياد إلى الحق ﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ﴾ حلفهم بالله كاذبين ، أو ما حلفوا به إذ قالوا ، والله لنؤمنن به ولننصرنه ، وذلك من قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق لانبيين الآية ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ من الدنيا زائلا مستردا بالنسبة إلى ما فى الآخرة مكدرا ، ولو كثر فى ذاته وجل من الرشا والأعواض التى لا يجوز ﴿ أُوْلَئِكَ لاَ خَالقَ ﴾ لا نصيب ﴿ لَهُمْ فِى الأَخِرَةِ ﴾ لا نصيب نافع لهم فى زمان الآخرة ، أو لا نصيب لهم فى نعيم الآخرة ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ﴾ يوم القيامة بشىءٍ أصلا ، وإنما تكلمهم الملائكة فى أثناء الحساب بإذن الله العام فى الملائكة ، لا بخصوص الوحى إليهم ، أو لا يكلمهم بما يسرهم ، ولو أنوحى إليهم بكلامهم يسوءهم ، وذلك إهانة لهم وغضب عليهم ، وقد قال الله جل وعلا ، فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ، أى سؤال توبيخ وتنويع ، أو من الملائكة بالإذن العام ، أو ذلك كناية عن غضب الله عليهم ، وهو أولى ، وبضعف أن يكون المعنى لا ينتفعون بكلمات الله المنزلة فكأنه لم يكلمهم ﴿ وَلاَ يَنْظرُ إلَيْهِمْ ﴾ لا يرحمهم ، فإن من تحبه وترحمه تنظر إليه ، بخلاف من سخطت عليه فإنك لا تلتفت إليه . أو ذلك إهانة ﴿ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزكَّيهِمْ ﴾ لا يطهرهم من ذنوبهم بالغفران ، أو لا يذكرهم بخير فى الدنيا ولا فى الآخرة ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فى النار ، دائم لفعلهم ، أو فى الدنيا والآخرة ، ومن عذاب الدنيا ضرب الجزيع على أهلها ، نزلت الآية فى امرىء القيس المسلم المعاصر للنبى صلى الله عليه وسلم ورجل من حضرموت تخاصما ، فقال للخضرمة : بنيتك وإلا فيمينه ، فقال : يا رسول الله ، إن حلف ذهب بأرضى ، فقال صلى الله عليه وسلم : « من حلف على يمين كاذبة لييقطع بحق حق أخيه لقى الله تعالى وهو عليه غضبان » ، فقال امرؤ القيس : يا رسول الله ، فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال : الجنة ، قال : فإنى أشهدك أنى تركتها ، وفى أنى رافع اليهودى ولبابة بن أبى الحقيق وحيى بن أخطب اليهوديين وغيرهم من أحبار اليهود ، حرفوا التوراة ، وبدلوا نعت النبيى صلى الله عليه وسلم ، وأخذوا الرشا على ذلك ، وقال البخارى من حديث عبيد الله بن أبى أوفى ، إن رجلا أقام سلعة فى السوق ، فحلف بالله ، لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين ، ونزلت هذه الآية فى ذلك ، وفى أيمان اليهود فى أيمانهم المذكورة قبل هذا ، وفى ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهودى فى بئر أو أرض ، وتوجه الحلف على اليهودى ، ولا بيان للأشعث فقال : إذن يحلف كاذبا يا رسول الله ولا يبالى ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائى والترمذى وغيرهم قلت ، لعل الآية نزلت بعد ذلك كله ، فتعم ذلك ، وهكذا تقول فى مثل ذلك من الروايات عن ابن مسعود .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٠