وَمَاۤ ءَاتَیۡتُم مِّن رِّبࣰا لِّیَرۡبُوَا۟ فِیۤ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا یَرۡبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَاۤ ءَاتَیۡتُم مِّن زَكَوٰةࣲ تُرِیدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ٣٩
الرسم الإملائيّ
وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
الجزء ٢١الربع ١٦٣ صفحة ٤٠٨
تفسيرها
﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا﴾ زيادة محرمة في المعاملة ، أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة ، ﴿لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ ليزيد ويزكو في أموال لهم ، ﴿فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾ فلا يزكوا عنده ، ولا يبارك فيه ، ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ تبتغون به وجهه خالصا ، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ذوو الأضعاف من الثواب ، أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ، والالتفات فيه للتعظيم ، كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق ، تعريفا لحالهم.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٤٨
قوله : ﴿ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِندَ الله ﴾ ذكروا عن الضحاك بن مزاحم قال : تلك الهديّة تهديها لِيُهدَى إليك خير منها ، ليس لك فيها أجر ، وليس عليك فيها وزر ، وقد نهى عنها النبي عليه السلام ، فقال : ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ [ المدثر : 6 ] .
ذكر عبد الرحمن الأعرج أنه سمع ابن عباس يقرأها : لتُربوا ، وبعضهم يقرأها : ليربوَ ، أي : ليربوَ ذلك الربا الذي يُربون ، والربا : الزيادة ، أي : تُهدون إلى الناس ليُهدوا لكم أكثر منه .
وذكروا أن النبي عليه السلام قال : « الهديّة رزق الله ، فمن أهدى إليه شيء فليقبله ، وليُعطَ خيراً منه » .
ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يردّن أحدكم على أخيه هديتَه وَلْيُهْدِ له كما أهدى له » .
ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال : ترك المكافأة من التطفيف؛ يعني مكافأة من أهدى .
قال بعضهم : هذا ملاطفة تجري بين الإِخوان والأخوات والجيران . وقد رأينا الناس يلاطفون فقهاءهم وعلماءهم ويهدون لهم ، يرجون بذلك مودتهم وتعظيمهم وتشريفهم ، ولا يطلبون بذلك منهم مكافأة ، ويقبل منهم علماؤهم وفقهاؤهم ، ويرون ذلك من مكارم الأخلاق ، ومن سَنّي الفِعال ، ويرون ردّ ذلك على إخوانهم الذين طلبوا ملاطفتهم ، وإدخال الرفق عليهم كسراً لهم ، وإزراء بهم ، وعيباً عليهم .
وإنما يكره قبول الهدايا للأمراء والوزراء ، والقضاة والعمال ، لأن قبول الهدايا لهؤلاء رشىً في الأحكام؛ فأما من سواهم ممن ليس بأمير ولا وزير ، ولا قاض ولا عامل ، فلا بأس بقبول الهدية لهم ، بل هو حسن جميل ، يثبت المودّة ، ويذهب الضغائن والغلّ .
قوله : ﴿ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله ﴾ أي : تريدون بها الله ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾ أي : الذين تضاعف لهم الحسنات .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٤٨
﴿ وما آتيتُم مِن ربا ﴾ مقابلة المضعفون ، مثل قوله تعالى : ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات ﴾ فهى تشعر بتحريم الربا مثل هذه الآية : ﴿ يمحق الله ﴾ الخ قال الحسن والسدى ، كما روى عنه انها نزلت فى ثقيف ، وكانوا يربون ، وكذا كانت قريش ، وعن ابن عباس : ان المراد العطية التي يراد بها مزيد المكافأة ، وهو ربا لغوى ، وهو الزيادة حقيقة ، لغوية مجاز شرعى ، سميت لانها سبب للزيادة ، او لانها فضل لا يجب على المعطى ، وعن ابن عباس : نزلت فى قوم يعطون قرابتهم واخوانهم ليكونوا ذوى مال لا لله ، او ليكونوا ذوى مال يعود نفعا اليهم ، ومن للبيان فى ذلك كله .
﴿ ليربُوا فى أموال النَّاس ﴾ مناسب بظاهره الاخير ، اى لتوقعوا الزيادة فى اموال الناس ، فيكونوا ذوى مال كثير ، واولى من هذا ان المعنى لتوقعوا الزيادة لانفسكم فى مال الناس بما يعطونكم زيادة على ما اعطيتموهم ، والمراد لتربوه فى اموال الناس ، والهمة للتعدية ، او المراد لتزويد واموال الناس كقولهم : يخرج فى عراقيبها : نصلى ، بمعنى سيجرح عراقيبها نصلى ، او للصيرورة اى لتصيروا ذوى ربا فى اموال الناس .
﴿ فلا يرْبُوا عند الله ﴾ لا يبارك فيه اذا لم يتقربوا به الى الله سبحانه ، ولو لم يكن على جهة الربا الشرعى بان تعطيه ليكافئك بأزيد مما اعطيته ، او ليكون ذا مال كما مر ، او الاية فى تحريم الربا ، فيكون هذا مثل قوله تعالى : ﴿ يمحق الله الربا ويربى الصدقات ﴾ لا ثواب لك ولا له اذا اعيته ليزيدك مكافأة لا على طريق الربا الشرعى ، ولا ذنب فى ذلك عليك ولا عليه ، ولا يحل ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ ﴿ وما آتيْتُم مِن زكاة تُريدُون وَجْه الله ﴾ حال من التاء ، والرابط الواو ، او من ما على انها شرطية مفعول لآتيتم ، او من رابط الموصول على انها موصولة ، اى وما آتيتموه ، فالرابط محذوف ، اى تريدون به ، والزكاة الصدقة غير الواجبة فى المدينة ، او صدقة وجبت فى مكة مخصوصة ، نسخت بالواجبة فى المدينة ، كما قيل به فى قوله تعالى : ﴿ وآت ذا القربى حقه ﴾ كما قيل : إن حق ذى القربى صلى الرحم بأنواعها ، والحق المعتبر فى المسكين وابن السبيل احدى هاتين الزكاتين ، لكن يلزم عليه استعمال الامر ، وهو آت فى الندب والوجوب ، فيجاب بأن اعطاء القرابة واجب ، هكذا بلا حد .
﴿ فأولئك هُم المضعفون ﴾ اسم فاعل اضعف بهمزة الصيرورة ، اى صاروا ذوى ضعف ، اى يضاعف لهم ثواب ما اعطوه ، كأقوى ، صار ذا قوة ، وأيسر ، صار ذا يسر ، او بهمزة التعدية اى صيروا ثوابهم كثيرا ، ويدل له قراءة ابى بفتح العين ، ومقتضى الظاهر يرب او يرب عند الله ليقابل قوله : ( فلا يربوا عند الله ) ولكن عبر بذلك ليثبت لهم المضاعفة التى هى ابلغ من الزيادة ، وللتأكيد بالجملة الاسمية ، وبضمير الفصل ، وبالحصر واشارة البعد لعلو المرتبة ، وبذكر ما اعطاهم الله فى الجواب من الاضعاف دون ما انفقوا ، وبطريق الالتفات عن خطابهم الى الغيبة بصرف الكلام الى الملائكة ، وخواص الخلق ، وان اريد باولئك هؤلاء وغيرهم ممن يماثلهم فى الاعطاء لوجه الله ، اى فمؤتوه بضم التاء اسم فاعل يفتحها اسم مفعول اولئك هم المضعفون ، فلا التفات وما تقدم اولى .
واعلم ان الصحيح ان لا يلزم اعادة الضمير من فعل الشرط الى اسم الشرط لفظا اوتقديرا ، اى وما آتيتموه من زكاة ، وان الصحيح ان خبر اسم الشرط وجوابه لا جملة الشرط ، ولو قيل : من الصحيح عكس ذلك كله ، الا ترى ان ايا مفعول مقدم فى قوله تعالى : ﴿ ايا ما تدعوا ﴾ كان مفعولا مقدما فليس مبتدأ ، والا ترى انك تقول بمن تمرر : امرر به ، وليست من مبتدأ ، بل مجرورة بحرف غير زائدة ، فما فى الموضعين ان جعلت شرطية مفعول مقدم لما بعدها ، ولا يلزم جعلها مبتدأ .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٤٨