سورة لقمان · الآية ٣٢ من ٣٤

‹ السورة السابقة
وَإِذَا غَشِیَهُم مَّوۡجࣱ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱۚ وَمَا یَجۡحَدُ بِءَایَٰتِنَاۤ إِلَّا كُلُّ خَتَّارࣲ كَفُورࣲ٣٢
الرسم الإملائيّ

وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ

الجزء ٢١الربع ١٦٥ صفحة ٤١٤

تفسيرها

[سورة لقمان — آية 32]

﴿وَإِذَا غَشِيَهُم﴾ علاهم وغطاهم ﴿مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ كما يظل من جبل ، أو من سحاب ، أو غيرها ، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لزوال الهوى والتقليد عن الفطرة بما دهاهم ، إلى الخوف الظاهر الشديد ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ مقيم على طريق القصد الذي هو التوحيد ، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غدار ، فإنه نقض للعهد الفطري ، وقيل: الختر: أشد الغدر ، ﴿كَفُورٍ﴾ للنعم.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠١

[سورة لقمان — آية 32]

قوله : ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ ﴾ أي : كالجبال . وقال في آية أخرى : ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ﴾ [ هود : 42 ] . وقال في آية أخرى : ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ [ الأعراف : 171 ] . قال : ﴿ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [ يعني التوحيد ] ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ﴾ وهذا المؤمن . وأما الكافر فعاد في غدره . قال : ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ ﴾ أي : غدّار ﴿ كَفُورٍ ﴾ . يقول : أخلص لله في البحر للمخافة من الغرق ، ثم غدَر فأشرك .

كقوله : ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [ العنكبوت : 65 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠١

[سورة لقمان — آية 32]

﴿ وإذا غَشِيَهِمُ ﴾ علا أطرافهم فوق رؤسهم دون غرق ، أو كاد يغشاهم غشاء مهلكا فيغرقوا به ، او غشيهم اتاهم ، والهاء لمطلق راكبى الفلك ، وان عادت للمخاطبين قبل فعلى طريق الالتفاف ﴿ مَوجٌ ﴾ ماء متحرك يتعالى بعضه على بعض ﴿ كالظُّل ﴾ جمع ظلة كغرفة وغرف ، وهى ما علاك ، ومن شانه ان يبقى عليك ظله كالظلة المعمولة للشمس ، او للمطر من السعف ، او من كتان او قطن او غيرهما ، وكالسحابة وكالجبل ، فمن الموج ما يعلوك فوق رأسك ، ومنه ما يعلو دون ذلك كالجبل يطول عليك ﴿ دعَوًا الله ﴾ وحده : يا ربنا نجنا من الغرق ، ولا يدعون آاهتهم كما قال : ﴿ محلصين له الدِّين ﴾ العبادة او الدعاء . ففى حال الموج لا يعبدون غير الله ، ولا يذكرونه .

﴿ فلمَّا نجٍّاهُم الى البرِّ ﴾ الجواب محذوف ، اى انقسموا قسمين دل عليه قوله : ﴿ فمنهم مقتصدٌ ﴾ وهذا اولى من قول ابن مالك بجواز اجابة لما بالجملة الاسمية المقرونة بالفاء ، وجعله منهم مقتصد جوابها ، وهذا قسم من القسمين ، والثانى محذوف دل عليه قوله تعالى : ﴿ وما يجحد بآيتنا الا كلُّ خنَّار كَفورٍ ﴾ اى منهم مقتصد ، ومنهم جاحد ، وما يجحد بآيتنا الا ختار كفور ، والمقتصد سالك القصد وهو الطريق فى الارض الذى لا عوج فيه ولا خشونة ، ولا معطل ، والمراد هنا التوحيد مجازا استعاريا ، والمراد مقيم على التوحيد الذى وحده فى الفلك ، واما لواحقه فمستتبعه بان يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتبعه فيثاب او متروكة فيعاقب ، وهو غير مشرك ان آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والا فمشرك ، او المراد يقتصد بعد الخروج من الفلك ، وتوحيده فيه بأن يؤدى الفرائض ، ويترك الحرام ، ويؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز تفسير الاقتصاد بالوفاء بمضمون ما قال فى اللفك ، سواء جعل على نفسه عهدا ام لم يجعل .

ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة امر ان لا يقتل احد الا عكرمة بن ابى جهل ، وعبدالله بن خطل ، وقيس بن ضبابة ، وعبدالله ابن ابى رسح ، هرب عكرمة وركب البحر ، فاصابتهم ريح عاصفة ، فقال اهل السفينة : اخلصوا فان آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا هنا ، توهموا انها قد تغة فى غير البحر ، فقال : لئن لم ينجن فى البحر الا الاخلاص ما ينجى فى البر غيره ، اللهم لك على عهد ان انجيتنى لآتين محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدى فى يده ، فلأجدنه عفوا كريما فأسلم .

او الاقتصاد للتوسط فى الكفر ، لزوال بعض كفره بما شاهد ، او التوسط فى الاخلاص ، لان ما فى الخوف يكون عظيما ، واذا زال الخوف نقص .

والخنار الغدار ، وقيل اشد من الغدار المطلق كقولهم : لا تمد لنا شبرا من غدر الا مددناك باعا من ختر ، ويناسبه ان من معنى الختر الضعف ، فسمى ختارا لاجتهاده فى الغدر ، حتى يضعف ويتكسر ، ووجه الشدة ، قيل : ان كفره نقض للعهد الفطرى ، والظاهر ان وجهها نقض عهده الذى عهده فى الفلك ، او مع عهده الفطرى ، ولا فكل كافر ناقض للفطرى ، وكفور مبالغ فى كفر النعمة ضد شكور ، فهم مقابل له ، كما ان اختارا مقابل لصبار .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠١