تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة لقمان

الجزء لقمان · صفحة ٠
[سورة لقمان — آية 32]

﴿ وإذا غَشِيَهِمُ ﴾ علا أطرافهم فوق رؤسهم دون غرق ، أو كاد يغشاهم غشاء مهلكا فيغرقوا به ، او غشيهم اتاهم ، والهاء لمطلق راكبى الفلك ، وان عادت للمخاطبين قبل فعلى طريق الالتفاف ﴿ مَوجٌ ﴾ ماء متحرك يتعالى بعضه على بعض ﴿ كالظُّل ﴾ جمع ظلة كغرفة وغرف ، وهى ما علاك ، ومن شانه ان يبقى عليك ظله كالظلة المعمولة للشمس ، او للمطر من السعف ، او من كتان او قطن او غيرهما ، وكالسحابة وكالجبل ، فمن الموج ما يعلوك فوق رأسك ، ومنه ما يعلو دون ذلك كالجبل يطول عليك ﴿ دعَوًا الله ﴾ وحده : يا ربنا نجنا من الغرق ، ولا يدعون آاهتهم كما قال : ﴿ محلصين له الدِّين ﴾ العبادة او الدعاء . ففى حال الموج لا يعبدون غير الله ، ولا يذكرونه .

﴿ فلمَّا نجٍّاهُم الى البرِّ ﴾ الجواب محذوف ، اى انقسموا قسمين دل عليه قوله : ﴿ فمنهم مقتصدٌ ﴾ وهذا اولى من قول ابن مالك بجواز اجابة لما بالجملة الاسمية المقرونة بالفاء ، وجعله منهم مقتصد جوابها ، وهذا قسم من القسمين ، والثانى محذوف دل عليه قوله تعالى : ﴿ وما يجحد بآيتنا الا كلُّ خنَّار كَفورٍ ﴾ اى منهم مقتصد ، ومنهم جاحد ، وما يجحد بآيتنا الا ختار كفور ، والمقتصد سالك القصد وهو الطريق فى الارض الذى لا عوج فيه ولا خشونة ، ولا معطل ، والمراد هنا التوحيد مجازا استعاريا ، والمراد مقيم على التوحيد الذى وحده فى الفلك ، واما لواحقه فمستتبعه بان يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتبعه فيثاب او متروكة فيعاقب ، وهو غير مشرك ان آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والا فمشرك ، او المراد يقتصد بعد الخروج من الفلك ، وتوحيده فيه بأن يؤدى الفرائض ، ويترك الحرام ، ويؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز تفسير الاقتصاد بالوفاء بمضمون ما قال فى اللفك ، سواء جعل على نفسه عهدا ام لم يجعل .

ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة امر ان لا يقتل احد الا عكرمة بن ابى جهل ، وعبدالله بن خطل ، وقيس بن ضبابة ، وعبدالله ابن ابى رسح ، هرب عكرمة وركب البحر ، فاصابتهم ريح عاصفة ، فقال اهل السفينة : اخلصوا فان آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا هنا ، توهموا انها قد تغة فى غير البحر ، فقال : لئن لم ينجن فى البحر الا الاخلاص ما ينجى فى البر غيره ، اللهم لك على عهد ان انجيتنى لآتين محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدى فى يده ، فلأجدنه عفوا كريما فأسلم .

او الاقتصاد للتوسط فى الكفر ، لزوال بعض كفره بما شاهد ، او التوسط فى الاخلاص ، لان ما فى الخوف يكون عظيما ، واذا زال الخوف نقص .

والخنار الغدار ، وقيل اشد من الغدار المطلق كقولهم : لا تمد لنا شبرا من غدر الا مددناك باعا من ختر ، ويناسبه ان من معنى الختر الضعف ، فسمى ختارا لاجتهاده فى الغدر ، حتى يضعف ويتكسر ، ووجه الشدة ، قيل : ان كفره نقض للعهد الفطرى ، والظاهر ان وجهها نقض عهده الذى عهده فى الفلك ، او مع عهده الفطرى ، ولا فكل كافر ناقض للفطرى ، وكفور مبالغ فى كفر النعمة ضد شكور ، فهم مقابل له ، كما ان اختارا مقابل لصبار .

٣٬٥٠١ / ٦٬٢٣٦