سورة لقمان · الآية ٣٤ من ٣٤

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَیُنَزِّلُ ٱلۡغَیۡثَ وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِی نَفۡسࣱ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدࣰاۖ وَمَا تَدۡرِی نَفۡسُۢ بِأَیِّ أَرۡضࣲ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرُۢ٣٤
الرسم الإملائيّ

إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

الجزء ٢١الربع ١٦٥ صفحة ٤١٤

تفسيرها

[سورة لقمان — آية 34]

﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ علم وقت قيامها ، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في إبانه المقدر له ، والمحل المعين ، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾من خير أو شر ، وربما يعزم على الشيء ويفعل خلافه ، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ كما لا تدري في أي أرض تموت. روي أن ملك الموت مر على سليمان ، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه ، فقال الرجل: من هذا ؟ قال: ملك الموت ، فقال: كأنه يريدني ، فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ، ففعل ، فقال الملك: كان دوام نظري إليه تعجبا ، إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.

وإنما جعل العلم لله والدراية للعبد ، لأن فيها معنى الحيلة ، فيشعر بالفرق بين العلمين ، ويدل على أنه إذا عمل حيلة ، وأنفد فيها وسعه ، لم يعرف ما هو الحق به من كسبه وعاقبته ، فكيف بغيره مما لم ينصب له دليلا عليه ، وأما ما نصب عليه الدليل ، وقصر هو في الحيلة في استخراجه من مظانه ، فذاك الذي عليه اللوم واقع.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بالأشياء كلها بلا واسطة ، ﴿خَبِيرٌ﴾ يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٣

[سورة لقمان — آية 34]

قوله : ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ أي : مجيئها ﴿ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ﴾ أي : المطر ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ﴾ أي : من ذكر وأنثى وكيف صورته . ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ أي : عليم بخلقه خبير بأعمالهم .

ذكروا عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خمس لا يعلمهن إلا الله ، لم يشرك فيهن أحداً من خلقه ، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مصطفى : ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ » .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٣

[سورة لقمان — آية 34]

﴿ إنَّ اللهَ عنْده عِلْم السَّاعة ﴾ فى اى سنة ، وفى اى شهر ، وفى اى يوم او ليلة ، وليس علمه باشراطها ، وعلمه بقربها « بعثت انا والساعة كهاتين » علما بمها قال عكرمة ، قال الوارث بن عمرو : يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد اجدبت بلادنا فمتى تخصب؟ وتركت امراتى حبلى فما تلد؟ وقد علمت ما كسبت فماذا اكسب غدا؟ وقد علمت لان ارض ولدت فبأى ارض اموت؟ ونزل : ( ان الله عنده علم الساعة ) الآية ولم يقل : ان علم الساعة عند الله ، مع انه اقل لفظا اجلالا لاسم الله بالتقديم ، ولافادة الحصر بتقديم عنده على مبتدئه ، وتكرير الاسناد لان فيه اسنادا الى العلم ، واسنادا الى الله سبحانه .

﴿ وينزل الغَيْث ﴾ عطف على عنده علم الساعة المخبر به عن لفظ الجلالة ، والمراد ينزل الغيث فى وقته المؤقت له ، بلا تقديم ولا تأخير على ما شاء ، بمقدار مخصوص ، كل ذلك بحسب الحكمة ، لا باهمال او مخالفة لها ، ولهذه القيود المرادة فى الآية تطابق قول السائل : متى تخصب ارضنا .

﴿ ويعْلم ما فى الأرحام ﴾ اذكر هو ام انثى ام خنثى ، وقيل الخنثى المشكل احدهما عند الله أتام أم ناقص ، وما لونه وما احواله ، وجاء بالفعلتين للتجدد بخلاف علم الساعة ، ولا تجدد فى علم ما فى الارحام ، وعلم الله لا يتجدد ، لكن يتجدد متعلقة ، وهو ما فى الارحام ، ولم يقل : ويعلم الغيث ، لان المراد الرحمة بتنزيله مع مطابقة السؤال ، وذكر تنزيل الغيث بعد ذكر الساعة ، لان الارض تحيا به كما ان الموتى يحيون ، ولما روى ان السماء تمطر ماء كالمنى ، فيحيون ، وذلك بقدرة الله لا باحتياج الى شئ ، ويجوز عطف ينزل ويعلم على علم الساعة مأولين بالمصدر ، فالمعطوف المصدر على تقدير ان المصدرية ، اى وعنده علم الساعة ، وتنزيل الغيث ، وعلم ما فى الارحام .

﴿ وما تَدرى نفْسٌ ﴾ ما بارة او فاجرة ، عالمة او جاهلة ﴿ بأى أرض تمُوت ﴾ اصل الدراية العكم باحتيال ، واصلها من درى الدرية .

ولقد أرانى على الرماح درية … وهى ما ينصب ويتعلم الرمى لها ، والناقة تنسيب ليأنس الوحش بها ، ويستتر بها صاحبها فيرميه ، ولذلك لا تسند ال الله سبحانه الا قيلا على معنى مطلق العلم ، كما روى قوما عنه صلى الله عليه وسلم : « خمس لا يدريهن الا الله » وهن ما فى هذه الآية ، الرواية الاخرى : « لا يعلمهن الا الله » وقيل : يجوز مع غيره كهذا الحديث ، وللمشاكلة كقوله :

لا هم لا أدرى وأنت الدارى … والعطف على ان الله عنده علم الساعة : ويروى لا يدريهن ملك مقرب ، ولا نبى مصطفى ، وقد رد ابو حنيفة بهذه الآية على من قال للمنصور : تعيش خمس سنوات وخمسة أشهر وخمسة أيام ، حيى راى صورة ملك الموت فى النوم ، وسأله عن باقى عمره ، فأشار اليه بأصابعه الخمس .

وروى ان ملك الموت ادام النظر الى وجه رجل فى مجلس سليمان ، وهو ظاهر فى صورة الانسان ، فقال الرجل : من ذلك الرجل الذي أدام النظر الى؟ فقال سليمان : هو ملك الموت ، فقال كأنه يريدنى ، فمر الريح ان تحملنى الى هند ، فقال ملك الموت : ادمت النظر اليه لان الله امرنى ان اقبض روحه فى هند ، وهو عندك فقبض روحه فى هند ، واراد بالارض ما يشمل البحر ، فانه كالارض ، وايضا اسفل الماء ارض ﴿ إنَّ الله عليمٌ ﴾ بكل شئ ﴿ خَبيرٌ ﴾ عليم ببواطن الامور ، كظواهرها ، والله اعلم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٣