سورة سبأ · الآية ١٢ من ٥٤

‹ السورة السابقة
وَلِسُلَیۡمَٰنَ ٱلرِّیحَ غُدُوُّهَا شَهۡرࣱ وَرَوَاحُهَا شَهۡرࣱۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَیۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن یَعۡمَلُ بَیۡنَ یَدَیۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن یَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِیرِ١٢
الرسم الإملائيّ

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ

الجزء ٢٢الربع ١٧٢ صفحة ٤٢٩

تفسيرها

[سورة سبأ — آية 12]

﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ﴾ أي سخرنا له الريح، ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ﴾ النحاس المذاب أسيل له من معدته، قيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام بإذن الله تعالى﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ ومن يعدل منهم عن ما أمرناه من طاعة سليمان،﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ عذاب الأخرة، ويحتمل في الدنيا، وذلك قيل: إن الله عزوجل وكل بهم ملكا بيده سوطا من نار، فمن زاغ منهم عن امره ضربه ضربة أحرقته.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٨

[سورة سبأ — آية 12]

قوله : ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ﴾ أي : وسخرنا لسليمان الريح ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ . ذكر الحسن أنه كان يغدو من بيت المقدس فيقيل بإصطخر ، فيروح منها فتكون روحته إلى كابل .

وفي تفسير عمرو عن الحسن قال : كان سليمان إذا أراد أن يركب جاءته الريح وجلس على سريره ، وجلس وجوه الناس من أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإِنس . والجن يومئذ ظاهرة للإِنس ، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أدم ، يحجون جميعاً ويعتمرون جميعاً ويصلون جميعاً ، والطير ترفرف على رأسه ورؤوسهم ، والشياطين حرسة ، لا يتركون أحداً يتقدم بين يديه . وهو قوله : ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ [ النمل : 17 ] أي : فهم يدفعون ، أي : لا يتقدمه منهم أحد . وقال بعضهم : وزعهم ، أي : يرد أولهم على آخرهم ، وهو واحد .

قوله : ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ﴾ يعني الصفر ، سالت له مثل الماء . قال : ﴿ وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ أي : بأمر ربه ، أي : بالسخرة التي سخرها الله تعالى له . قال : ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ﴾ أي : عن طاعة الله وعبادته ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ أي : في الآخرة . ولم يكن يسخّر منهم ويستعمل في هذه الأعمال كلّها ولا يُصفّد في الأصفاد ، أي : ولا يسلسل في السلاسل منهم ، إلا الكفّار . فإذا تابوا وآمنوا حلّهم من تلك الأصفاد .

وقال بعضهم : ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ أي : جعل معه ملك بيده سوط من عذاب السعير ، فإذا خالف سليمانَ منهم أحدٌ ضربه الملك بذلك السوط .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٨

[سورة سبأ — آية 12]

﴿ ولسُلَيمان الرِّيح ﴾ عطف على داد وفضلا إلا أنه ذكر اللام لطول الفصل ، وكأنه قيل : منَّا داود فضلا وسلميان الريح عطفا على معمولى عامل ، وكما يقال : آتيته يقال : آتيت له ، أو عطف على اله الحديد كلذك ، أى وألنا لسليمان الريح ، بمعى سخرناها له لا تعصيه ، ولا يتضرر بها ، وقدر بعض سخرنا لسليمان الريح ، وقيل : منصوب بسخر محذوفاً ، والعطف عطف على ﴿ لقد آتينا ﴾ عطف قصة على أخرى ، كانه أراد العطف على القسم المقدر وجوابه ، وأولى من هذا عطفه على مدخول قد ، فيتسلط عليه تأكيد القسم ، وتأكيد قد .

﴿ غدوُّها شَهْر ﴾ حال من الريح أو مستأنفة ﴿ ورواحُها شَهْر ﴾ قيل : غدوها مسير شهر ، ورواحها مسير شهر ، والمسير المقدر اسم زمان ميمى ، والغدو والرواح اسمان للزمان ، وأصلهما المصدر أى زمان سير شهر أى السير فى ذلك كالسير فى شهر ، أو قدر مسير غدوها مسير شهر ، ومسير رواحها مسير شهر ، والمسير فى هذا الوجه مصدر ، وأسهل من ذلك أن الغدو والرواح سيران صبحا ومساء ، فيقدر سير قدر شهر فى الموضعين ، قيل : أعاد ذكر شهر لأن المقام بيان للمقادير ، والمقادير يغلب فيها الاظهار تقول : وزن هذا قنطار ، ووزن ذلك قنطار ، ولو أضمر كان استخداما كقوله تعالى : ﴿ ما يعمَّر من معمَّر ولا ينَقصُ من عُمره ﴾ أى من معمر المعمر ، وليس المعمر الثانى هو الأول ، مع رد الضمير للأول ، روى أحمد عن الحسن : أنه يعدو من بيت المقدس فيقيل فى اصطخر ، ويروح من اصطخر ويقيل بقلعة خراسان ، وذلك شهران فى يوم واحد للراكب المجد ، ويقال : يسير من دمشق ، ويقيل بإصطخر ، ويسير من اصطخر ويبيت بكابل مسيرة شهرين كذلك ، ويقال : يتغدى بالرى ويتعشى بسمرقند ، واصطخر من بلا فارس .

﴿ وأسلنا لهُ عَيْن القِطْرِ ﴾ صيرنا له عين القطر سائلا كما يسيل الماء من العين ، وسمى ما فى الأرض أو الجبل من الحديد والنحاس ، وهو جامد عينا على الاستعارة ورشحها بأسلنا ، والقرينة القطر وهو النحاس والحديد وغيرهما ، وسماه قطرا على طريق مجاز الأول من معنى قولك قطر الماء قطرا ، ولا مجاز فى الاسالة ، لأنها حقيقة فى كل مائع ، وقيل : عين بمعنى نفس الشىء ، والقطر اسم للنحاس ، كما تقول : ذات الشىء ، والمعنى على كل حال أسلنا له ذلك كلما شاء كل موضع أراد ، فيكون ما سال بالشمع يعمل فيه ما شاء ، فيرجع معموله الى أصله من الصلاة ، كما ألان الحديد لأبيه داود ، وان أراد تصرفا فى معموله بالنقص أو الزيادة أو التوسيع أو التضييق ، أو التغليظ أو الترقيق ، أو نحو ذلك كان لينا أيضا فاذا عمل ما أراد رجع صلبا ، وذكر السدى ، أنه أسالها الله ثلاثة أيام ، وعنه ومن مجاهد : ثلاثة أيام فى أرض اليمن ، وقيل : فى أرض صنعاء .

﴿ ومن الجنِّ مَن يعْمَل بيْن يَديْه بإذْن ربِّه ﴾ أى يعمل له بأمر ربه ما يشاء ، ومتى شاء أولا مفعول له ، وإنما المراد جعلنا عين القطر ، على حد : علفها تبنا وماء بارداً فأما أن يقدر وسخرنا له من الجن من يعمل أو يضمن ، أسلنا معنى سخرنا أو يسرنا ، وهذا لقربه أولى من العطف على ﴿ سليمان الريح ﴾ أو على ﴿ آتينا ﴾ ويجوز أن يكون من الجن خبرا ، ومن مبتدأ أو حالا من من ، ومن معطوفة على الريح أو غيره فما مر ، واقتصر بعض المحققين على عطفيه على ﴿ سليمان الريح ﴾ وذكر بين يديه إشارة الى انقيادهم وعدم غيبتهم عما يريد منهم .

﴿ ومَنْ يَزغْ ﴾ يمل ﴿ منْهُم عن أمْرنا ﴾ عن أمرنا إياه بالعمل لسليمان أو عن شأننا فى طاعته له ﴿ نُذقْهُ من عَذاب السَّعير ﴾ شيئا من عذاب السعير النار الدنيوية فى الدنيا ، كما يحرق على زيغه بنار الآخرة فى الآخرة ، قال السدى ، بيد سليمان سوط من نار يضرب به من عصاه من الجن ، وإنما يهلك بالنار مع أنه لشدة هذه النار على ناره ، ولأنه ليس نارا محضة ، بل هى أغلب عناصره ، وقال الأكثر : المراد نار الآخرة .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦١٨