تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة سبأ

الجزء سبأ · صفحة ٠
[سورة سبأ — آية 12]

﴿ ولسُلَيمان الرِّيح ﴾ عطف على داد وفضلا إلا أنه ذكر اللام لطول الفصل ، وكأنه قيل : منَّا داود فضلا وسلميان الريح عطفا على معمولى عامل ، وكما يقال : آتيته يقال : آتيت له ، أو عطف على اله الحديد كلذك ، أى وألنا لسليمان الريح ، بمعى سخرناها له لا تعصيه ، ولا يتضرر بها ، وقدر بعض سخرنا لسليمان الريح ، وقيل : منصوب بسخر محذوفاً ، والعطف عطف على ﴿ لقد آتينا ﴾ عطف قصة على أخرى ، كانه أراد العطف على القسم المقدر وجوابه ، وأولى من هذا عطفه على مدخول قد ، فيتسلط عليه تأكيد القسم ، وتأكيد قد .

﴿ غدوُّها شَهْر ﴾ حال من الريح أو مستأنفة ﴿ ورواحُها شَهْر ﴾ قيل : غدوها مسير شهر ، ورواحها مسير شهر ، والمسير المقدر اسم زمان ميمى ، والغدو والرواح اسمان للزمان ، وأصلهما المصدر أى زمان سير شهر أى السير فى ذلك كالسير فى شهر ، أو قدر مسير غدوها مسير شهر ، ومسير رواحها مسير شهر ، والمسير فى هذا الوجه مصدر ، وأسهل من ذلك أن الغدو والرواح سيران صبحا ومساء ، فيقدر سير قدر شهر فى الموضعين ، قيل : أعاد ذكر شهر لأن المقام بيان للمقادير ، والمقادير يغلب فيها الاظهار تقول : وزن هذا قنطار ، ووزن ذلك قنطار ، ولو أضمر كان استخداما كقوله تعالى : ﴿ ما يعمَّر من معمَّر ولا ينَقصُ من عُمره ﴾ أى من معمر المعمر ، وليس المعمر الثانى هو الأول ، مع رد الضمير للأول ، روى أحمد عن الحسن : أنه يعدو من بيت المقدس فيقيل فى اصطخر ، ويروح من اصطخر ويقيل بقلعة خراسان ، وذلك شهران فى يوم واحد للراكب المجد ، ويقال : يسير من دمشق ، ويقيل بإصطخر ، ويسير من اصطخر ويبيت بكابل مسيرة شهرين كذلك ، ويقال : يتغدى بالرى ويتعشى بسمرقند ، واصطخر من بلا فارس .

﴿ وأسلنا لهُ عَيْن القِطْرِ ﴾ صيرنا له عين القطر سائلا كما يسيل الماء من العين ، وسمى ما فى الأرض أو الجبل من الحديد والنحاس ، وهو جامد عينا على الاستعارة ورشحها بأسلنا ، والقرينة القطر وهو النحاس والحديد وغيرهما ، وسماه قطرا على طريق مجاز الأول من معنى قولك قطر الماء قطرا ، ولا مجاز فى الاسالة ، لأنها حقيقة فى كل مائع ، وقيل : عين بمعنى نفس الشىء ، والقطر اسم للنحاس ، كما تقول : ذات الشىء ، والمعنى على كل حال أسلنا له ذلك كلما شاء كل موضع أراد ، فيكون ما سال بالشمع يعمل فيه ما شاء ، فيرجع معموله الى أصله من الصلاة ، كما ألان الحديد لأبيه داود ، وان أراد تصرفا فى معموله بالنقص أو الزيادة أو التوسيع أو التضييق ، أو التغليظ أو الترقيق ، أو نحو ذلك كان لينا أيضا فاذا عمل ما أراد رجع صلبا ، وذكر السدى ، أنه أسالها الله ثلاثة أيام ، وعنه ومن مجاهد : ثلاثة أيام فى أرض اليمن ، وقيل : فى أرض صنعاء .

﴿ ومن الجنِّ مَن يعْمَل بيْن يَديْه بإذْن ربِّه ﴾ أى يعمل له بأمر ربه ما يشاء ، ومتى شاء أولا مفعول له ، وإنما المراد جعلنا عين القطر ، على حد : علفها تبنا وماء بارداً فأما أن يقدر وسخرنا له من الجن من يعمل أو يضمن ، أسلنا معنى سخرنا أو يسرنا ، وهذا لقربه أولى من العطف على ﴿ سليمان الريح ﴾ أو على ﴿ آتينا ﴾ ويجوز أن يكون من الجن خبرا ، ومن مبتدأ أو حالا من من ، ومن معطوفة على الريح أو غيره فما مر ، واقتصر بعض المحققين على عطفيه على ﴿ سليمان الريح ﴾ وذكر بين يديه إشارة الى انقيادهم وعدم غيبتهم عما يريد منهم .

﴿ ومَنْ يَزغْ ﴾ يمل ﴿ منْهُم عن أمْرنا ﴾ عن أمرنا إياه بالعمل لسليمان أو عن شأننا فى طاعته له ﴿ نُذقْهُ من عَذاب السَّعير ﴾ شيئا من عذاب السعير النار الدنيوية فى الدنيا ، كما يحرق على زيغه بنار الآخرة فى الآخرة ، قال السدى ، بيد سليمان سوط من نار يضرب به من عصاه من الجن ، وإنما يهلك بالنار مع أنه لشدة هذه النار على ناره ، ولأنه ليس نارا محضة ، بل هى أغلب عناصره ، وقال الأكثر : المراد نار الآخرة .

٣٬٦١٨ / ٦٬٢٣٦