[سورة سبأ — آية 9]
﴿ أفَلم يروْا ﴾ أعموا فلم يروا ﴿ الى ما بين أيْديِهم وما خَلفهُم من السَّماءِ والأرضِ ﴾ المرادبما بين أيديهم ما يشاهدونه من السماء والأرض ، فشمل ما تحتهم من الأرض ، وما فوقهم من السماء إذا نظروا الى ام فوقهم ، والمراد بما خلفهم منهما ما لا يرونه لجعلهم إياه خلفهم ، وإذا استقبلوه كان بين أيديهم ، وغيره خلفهم ، أو ما بين أيديهم ما يرون ، وما خلفهم ما لا يرونه من أطراف الأرض والسماء ، أعنى ما لا يرونه عارض مكة ، وهم فى المدينة ، وأرض المدينة وهم فى مكة ، وسماء ذلك ، ومن للتبعيض أى ، كيف ينكرون القدرة على البعث ممن خلق السماء والأرض ، وهما أقوى منهم وأكثرهم اجراء .
واختار ما خلفهم وما بين أيديهم ليدل على أنهم فى كل موقع تكون السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم لاتساعهما ، فلم يقل أفلم يروا الى السماء والأرض ، وقدم ما بين أيديهم لأن المشاهد أولى من غيره .
﴿ إن نَشَأ ﴾ خسف الأرض بهم أو إسقاط كسف عليهم ﴿ نَخْسف بهم الأرض أو نُسْقِط عليْهِم كِسَفاً ﴾ قطعا ﴿ مِن السَّماءِ ﴾ هذا داخل فى الاستدلال مثل ما قبله ، ووجه ارتباطه به أنهم مقرون بخسف الأرض بمن قبلهم ، وإسقاط الكسف عليهم ، أو هو ممكن عندهم ، أى كيف نسبوا العجز عن البعث الى من سماؤُه وأرضه الأقويا ، محيطتان بهم ، ومن قدر على الخسف بهم ، وإسقاط الكسف عليهم ، وذلك أولى من أن يقال تحذيرا : أفلا يرون الى ما يحيط بهم من سماء وأرض ، مقهورا تحت قدرتنا ، نتصرف فيه ﴿ إن نشأ نخسف ﴾ إلخ ومن أن يقال على وجه التحذير ، كذلك أفلا يرون الى ما بين أيديهم وما خلفهم محيطا بهم ، وهم مقهرون بينهما ، إن نشأ ، ومن أن يقال تحذيرا أيضا : أفلم يروا الى قدرة الله ، فلم يخافوا أن ينتقم منهم على تكذيبه صلى الله عليه وسلم ، وشتمه بالافتراء والجنون .
﴿ انَّ فى ذلك ﴾ أى ما ذكر مما بين الأيدى ، وما خلفهم ، والقدرة على الخسف واسقاط الكسف ، أو أن فيما ذكر من الرؤية ، وذكرها للتأويل بما ذكر ، أو بالفكر ، أو فى ذلك الرأى ، فانه كما يقال : رأى رؤية ، يقال : رأى رأيا ﴿ الآيةً ﴾ دلالة واضحة على قدرة الله على البعث ، أو على قدرته على الانتقام للتكذيب ، كما انتقم ممن قبلكم بالخسف والكسف ﴿ لُكلِّ عبدٍ مُنيب ﴾ راجع الى ربه بالتوبة والطاعة ، ومن شأن من كان كذلك التفكر فى الدلائل .