[سورة سبأ — آية 41]
﴿ ويَوْم ﴾ مفعول لا ذكر محذوفا أو ظرف لكون محذوف أى ويكون ما يكون من الأهوال التى لا يحيط بها المقال يوم ﴿ نَحْشُرهم جَميعاً ﴾ من استضعف ومن استكبر ، وما يعبدون وفيه بعد إلا أنه أساغه قوله تعالى : ﴿ ثم يقُول للملائكة أهؤلاء إيَّاكم كانُو يعْبدُون ﴾ فذكر الملائكة من مبعوداتهم ، وثم للتراخى فى العظم أو فى الزمان ، كما قيل : يقف الخلق سبع آلاف سنة فى الموقف ، لا يكلمون حتى يشفع صلى الله عليه وسلم فى فصل القضاء ، وذلك تفريع المشركين ، وإقناط من شفاعته الملائكة لهم تفريعا ، مثله فى قوله تعالى : ﴿ أأنت قلت للنَّاس اتخذونى وأمتى إليهن ﴾ وخص ذكر الملائكة من سائر ما عبدوا لأنهم أشرف .
رأى عمرو بن لحى قوما فى الشام يعبدون الأصنام ، فسألهم فقالوا : أرباب على صور الهياكل العلوية نستنصر بها ، ونستسقى ، فجاء بصنم الى العرب ، وزين لهم عبادة الأصنام فعبدوها ، وعبد عيسى بعد ذلك ، فإذا لم تشفع الملائكة فأولى أن لا يشفع سائر معبوداتهم ، وقدم إياكم لأنه أنسب بالتفريع ، وأولى بالذكر ، وكأنه قيل : فما أجابت الملائكة فقال :
﴿ قالُوا سُبحانك أنتَ وليُّنا مِن دُونهم ﴾ ومقتضى الظاهر يقولون فجىء بالماضى للتحقق كأنه قد حشروا فقالوا سبحانك انت ولينا من دونهم نواليك ، ولا ولاية لهم ، وما رضيا بعبادتهم لنا ، بل نلعنهم عليها ﴿ بل كانُوا يعْبُدون الجنَّ ﴾ إذا أمروهم بعبادة غير الله عز وجل ، وصوروا لهم صور قوم من الجن فقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها ، أو يدخلون فى أجواف الأصنام فهم يعبدون إذا عبدت ، وهذا لا تفسر به الآية ، لأن الآية على أنهم عبدوا الملائكة ، أو تخيلوا شيئا صادقا على الجن لا علينا فعبدوه ، فهم لم يعبدونا حقيقة .
وفى سورة الأنعام وغيرها ، أن قوما عبدوا الجن ، ولا تفسر به الآية ، لأنها على أنه عبدت الملائكة ، إلا أن يقال : الإضراب انتقالى الى كلامآخر لا نفى ، لأن عبدتهم الجن ، وكذا فى تفسيرها بأنه عبدت الجن إذا عبدت الأصنام ، وهم فى جوفها .
﴿ أكثرهم ﴾ أكثر المشركين ﴿ بهم ﴾ بالجنِّ ﴿ مُؤمنُون ﴾ بأنها آلهة كما آمن المسلمون بأن الله هو إله ، والقليل بؤمنوا بأنها تعبد بل يعبد الله لا كما قيل : إن القليل لم يؤمنوا بها ، وإنما عبدوهم غير الله سبحانه ، أو قالوا بالأكثر لأن من الكفار من لم يعلم الملائكة بحاله ، وفيه أن العبارة تعطى أن القليل لم يعبدهم إذ لم يقولوا أطلعنا على أكثرهم أنهم بهم مؤمنون .
وكذا يبحث أن قيل : أكثر قلب كل واحد مؤمن بالجن ، وأيضا كيف يكفر بعض القلب ويؤمن بعضه ، إلا أن يقال فيه خصلة إيمان ، وخصلة شرك ، وأيضا لم يقل أكثر قلوبهم ، ويضعف أن الأكثر بمعنى الكل ، لأنه خلاف الأصل ، وأجيز عود هاء أكثرهم للانسان ، صدقوا بأن الجن آلهة ، ولا نسلم هذه الأكثرية ، وقيل : المشركون مؤمنون بأن الملائكة بنات الله ، كما قال الله عز وجل :