سورة فاطر · الآية ١ من ٤٥

‹ السورة السابقة
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِیۤ أَجۡنِحَةࣲ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ یَزِیدُ فِی ٱلۡخَلۡقِ مَا یَشَاۤءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ١
الرسم الإملائيّ

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

الجزء ٢٢الربع ١٧٤ صفحة ٤٣٤

تفسيرها

[سورة فاطر — آية 1]

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعها، من الفطرة بمعنى: الشق، كأنه شق العدم بإخراجها منه، ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده،يبلغون غليه رسالاته بالوحي والإلهام، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ذوي أجنحة متعددة، متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب، وينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون نحو ما وكلهم الله عليه، فيتصرفون فيه على ما امرهم به.

﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾استئناف للدلالة على ان تفاوتهم في ذلك مقتضي مشيئة ومؤدى حكمته، لا أمر تستدعيه ذواتهم؛ قيل سأل النبي عليه السلام جبريل أن يتراءى له صورته، فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: » سبحان ] الله[، ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا« !، فقال جبريل: كيف لو رأيت إسرافيل؟ إن له اثنا عشر جناحا، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب« ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)﴾ وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض إنما من جهة الإرادة.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٦١

[سورة فاطر — آية 1]

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قوله تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ حمد نفسه ، وهو أهل الحمد . ﴿ فَاطِرِ ﴾ أي : خالق ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ أي : جعل من شاء منهم لرسالته إلى الأنبياء ، وهو قوله : ﴿ الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ﴾ [ الحج : 75 ] قال : ﴿ أُوْلِي أَجْنِحَةٍ ﴾ أي : ذوي أجنحة ﴿ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ﴾ . قال بعضهم : منهم من له جناحان ، ومنهم من له ثلاثة أجنحة ، ومنهم من له أربعة أجنحة .

ذكروا عن كعب أنه قال : إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل ، وله أربعة أجنحة ، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب ، وقد تسرول بالثالث ، والرابع بينه وبين اللوح المحفوظ؛ فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح المحفوظ حتى يصفق جبهة إسرافيل ، فيرفع رأسه فينظر ، فإذا الأمر مكتوب؛ فينادي جبريل ، فيلبّيه ، فيقول : أمرت بكذا ، أمرت بكذا . فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة ، حتى يقول جبريل : الحق من عند الحق ، فيهبط على النبي فيوحي إليه .

ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن لله نهراً في الجنة يغتمس فيه جبريل كل يوم ، ثم ينتفض ، فما من قطرة تقطر من ريشه إلا خلق الله منها ملكاً » .

ذكروا عن مجاهد أنه قال : يدخل جبريل نهر النور سبعين مرة كل يوم فيغتسل فيه ، ثم يخرج فينتفض فتسقط منه سبعون ألف قطرة ، تعود كل قطرة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة .

ذكروا عن عبد الله بن عمر قال : بلغني أن في السماء ملكاً قد عظّمه الله وشرّفه ، فيه ثلاثمائة وستون عيناً ، بعضها مثل الشمس ، وبعضها مثل القمر ، وبعضها مثل الزهرة ، يسبّح الله منذ خلق ، كل تسبيحة تخرج من فيه ملكاً . قال : وبلغنا أن الله ديكاً براثنه في الأرض السفلى ، وعنقه مثنية تحت العرش ، إذا بقي الثلث الآخر من الليل خفق بجناحيه ثم قال : سبّوح قدّوس ، ربّ الملائكة والرّوح ، فتسمعه الديكة فتصرخ لصراخه ، أو قال لصوته .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى ، وعلى قرنه العرش ، وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول سبحانك . وبلغنا أن اسمه وزفيل » .

وذكر بعض أهل العلم أن ملكاً نصفه من نور ، أو قال : من نار ، ونصفه من ثلج ، يقول : يا مؤلفاً بين الثلج والنار ، أو قال : النور ، ألِّف بين قلوب عبادك الصالحين .

ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال : إن الله خلق الملائكة والجنّ والإِنس فجزأهم عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء منهم الملائكة وجزء واحد منهم الجن والإِنس . وجزأ الملائكة عشرة أجزاء تسعة منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون ، وجزء منهم لرسالاته ولخزائنه ولما شاء من أمره . وجزأ الجن والإِنس عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء منهم الجن ، والإِنس جزء واحد ، فلا يولد من الإِنس واحد إلا وله من الجن تسعة . وجزأ الإِنس عشرة أجزاء ، تسعة أجزاء منهم ياجوج وماجوج وجزء واحد سائر بني آدم .

قوله تعالى : ﴿ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ﴾ تفسير الحسن : يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء . ﴿ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٦١

[سورة فاطر — آية 1]

﴿ الحمْدُ للهِ فَاطِر السَّمَواتِ والأرْض ﴾ الفاطر الموجد ، تخاصم أعرابيان عند ابن عباس على بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها ، قال ابن عباس : علمت به معنى فاطر السموات والأرض ، ولا أعلمه قبل ، رواه البيهقى ، وذلك على الإطلاق ، وهو إيجاد الشىء على صفة يترشح بها لفعل من الأفعال ، وقيل : أصله الشق ، وقيل : الشق طولا ، ثم تجوز به الى الإنشاء مطلقا ، ثم صار حقيقة ، ولا يشترط أن يكون على غير احتداء مثال ، بدليل كلام الأعرابى ، وكونه الآية على غير احتداء مثال من خارج لا بالوضع ، ومطاوع الفطر انفطر كقوله تعالى : ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ويتعد إبقاؤه على أصله ، بأن يكون المعنى شق السموات يوم القيامة لنزول الأرواح والملائكة ، وقبله بنزول الأمطار والأرض بالنبات فى الدنيا ، وعن الموتى بالبعث يوم القيامة ، وفاطر نعت لله وهو معرفة فإضافته للمعرفة ، واضافته محضة ، لأنه بمعنى الماضى على معنى خالق ، إذ لا مفعول له ، لأنه لا ينصب المفعول فضلا عن أن يقال : إنها لفظية ، وإنه فى نية التنوين ، وإن ما بعده فى نية النصب على المفعولية ، أو لأنه على معنى من شأنه الفطر ، كقولك : جاء مالك العبيد ، تقول : مَن مِن شانه أن يملكهم ، ولم ترد أنه قد مالكهم أو يملكهم ، ولو كان قد ملكهم ، وبهذا الوجه يقال فى معنى شاق السموات ، وان أريد خصوص الشق الآتى أو الماضى فهو للمضى تقديرا أو تحقيقا وأجيز أن يكون بدلا ، وقالوا : البدل بالمشتق ضعيف ، وتعليق الحكم بالنعت المشتق ، أو البدل المشتق يؤذن بالعلية ، كأنه قيل : الله أهل للحمد لفطره ، تقول : أقطع عمراً السارق اى أقطعه لسرقته ، ومثل ذلك كله فى قوله :

﴿ جاعل الملائكة رُسُلا ﴾ الى الأنبياء بالوحى ، والى الخلق مطلقا بالأمطار والرياح ، وبتلقى المؤمنين بالخير يوم القيامة ﴿ أولى ﴾ أصحاب نعت لرسلا ﴿ أجْنحَةٍ ﴾ يطيرون بها من جنس أبدانهم ، لا من شعر أو نحوه ، وهذا جمع قلة استعمل للكثرة ، ويجوز إبقاؤه على القلة باعتبار كل ذلك على حدة ، واعتبار الغالب ، فلا يشكل أن من الملائكة من كثرت أجنحته ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباع ﴾ نعوت لأجنحة ، فتقدر الفتحة فى الأول نائبة عن الكسرة ، ومنع الصرف للوصفية والعدل عن اثنين اثنين ، وثلاث ثلاثة ، وأربعة أربعة ، وزعم بعض أنه للعدل الى غير صيغ هده الأعداد ، والعدل الى عدم التكرير .

﴿ يَزيدُ فى الخَلْق ما يشاءُ ﴾ يزيد للملائكة أجنحة على أربعة ، وكما يزيد فى أبدانهم وصفاتهم وأفعالهم ، زادهم الله قوة ، ويزيد بخلق ملائكة لم توجد ، ويحدث ما شاء من المعدومات حيوان وجماد ، وصفات وأفعال ، وأجزاء ، والخلق الحسن ، وملاحة العينين والصوت الحسن ، والخط الحسن ، والجمال والعقل والعلم ، والصنعة وغير ذلك من الاعراض والأجسام والقبح ، والأشياء القبيحة ، ومن أفرد شيئا من ذلك فتحجير للواسع ، ولا نقبله ، أو أرد التمثيل ، وكل شىء من الله عز وجل حسن .

روى البخارى ومسلم فى قوله تعالى : ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ أنه رأى جبريل له ستمائة جناح ، وعن عائشة رضى الله عنهما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته مرتينن له ستمائة جناح ، سعتها الأفق : مرة عند سدرة المنتهى ، ومرة فى أجياد ، ومن الملائكة طائفة لهم ستة أجنحة : جناحان يلفون بهما أجسادهم ، وجناحان يطيرون بهما الى حيث شاء الله عز وجل ، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله سبحانه ، والملائكة أجسام نورانية لطيفة ، تتشكل بما تشاء أو يشاء الله عز وجل ، حتى أن جبريل عليه السلام يصير كالوصع وهو طائر صغير ﴿ إنَّ الله عَلى كُلّ شىء قَديرٌ ﴾ تعليل جملى ، كأنه قيل : لا يعجز عن زيادة ما يشاء ، لأنه على كل شىء قدير .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٦١