سورة فاطر · الآية ٣٢ من ٤٥

‹ السورة السابقة
ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ٣٢
الرسم الإملائيّ

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ

الجزء ٢٢الربع ١٧٥ صفحة ٤٣٨

تفسيرها

[سورة فاطر — آية 32]

وروى لنا أبو سعيد أنه يوجد في تفسير قول الله عزوجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قال أبو سعيد: » فما كان ميراثهم له بملك ولا باستزادته دون غيرهم، ولكن ورثهم الله تبارك وتعالى من الكتاب أو من أحكام الكتب أن جعلهم حجة له، وأعيانا في الأرض، شهودا وقواما، وأدلة، وحجة لمن تبعهم، وعلى من اتبعهم، ولمن طاعهم وعلى من أطاعهم، كما جعل النبيين والرسل حجة وشهودا وأدلة، والإ فما ورثوا منه وما جعلوا ورثة في شئ منه ملـكا؛ ومن شـواهد ذلك قولـه: }وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسوله}، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فأحسب أن في بعض ما قيل في التأويل أن الظالم لنفسه منهم: الذي يرتكب الذنوب والمعاصي ويتوب، ويطلب المعاش من أمور الدنيا من وجوه الحلال، والمتقصد الذي لا يأتي شيئاً من المعاصي الإ أنه يتعرض بالشيء في الدنيا للمعاش، والسابقون بالخيرات: الزهاد والعباد المنقطعون إلى الله، الذين لا يتعرضون لشئ من المعاش من أمور الدنيا، والأحبار معهم انهم العلماء؛ وأما الربانيون فعندي أنهم فوق الأحبار معي في العلم، وهو اسم العلماء« انتهى. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)﴾ الإشارة إلى التوريث أو الاصطفاء أو السبق.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٩٢

[سورة فاطر — آية 32]

قوله : ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا ﴾ أي : اخترنا ﴿ مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .

ذكروا عن جعفر بن زيد أن رجلاً بلغه أنه من أتى بيت المقدس ، لم يشخصه إلا الصلاة فيه ، فصلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه . قال : فأتيت بيت المقدس ، فدخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين ، ثم قلت : اللهم صُن وحدتي ، وآنس وحشتي ، وارحم غربتي ، وسق إليّ جليساً صالحاً تنفعني به . [ فبينا أنا كذلك إذ دخل شيخ موسوم فيه الخير ] ، فقالم عند سارية فصلّى ركعتين ، ثم جلس . فقمت إليه ، ثم سلّمت عليه ، ثم جلست فقلت : من أنت ، يرحمك الله ، فقال : أنا أبو الدرداء ، فقلت : الله أكبر! قال : ما لك يا عبد الله ، أذعورة أنا؟ قلت : لا والله ، ولكن بلغني أن من أتى هذا المسجد لم يشخصه إلا الصلاة فيه ، فصلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه .

قال : الحديث كما بلغك . قلت : فجئت إلى هذا المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم قلت : اللهم صل وحدتي ، وآنس وحشتي ، وارحم غربتي ، وسق إليّ جليساً صالحاً ينفعني . قال : فأنا أحق بالحمد منك إذ أشركني الله في دعوتك ، وجعلني ذلك الجليس الصالح . لا جرم لأحدثنك بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به أحداً قبلك ولا أحدث به أحداً بعدك .

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية : ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا . . . ﴾ إلى آخر الآية . قال : « فيجيء هذا السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، ويجيء هذا المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً ، ثم يدخل الجنة ، ويجيء هذا الظالم لنفسه فيوقف ويعيّر ويوبّخ ويعرّف ذنوبه ثم يتجاوز الله عنه فيدخله الجنة بفضل رحمته ، فهم الذين قالوا : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ . غفر الذنب الكبير وشكر العمل اليسير ، سبحانه وتعالى » .

ذكروا عن أبي قلابة أنه تلا هذه الآية إلى قوله : ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ فقال : دخلوها كلهم .

ذكروا عن أبي المتوكل الناجي أن حبراً من الأحبار لقي كعباً فقال : يا كعب ، تركت دين موسى واتبعت دين محمد؟ فقال : بل أنا على دين موسى واتبعت دين محمد ، فقال : فما حملك على ذلك؟ فقال : إني وجدت أمة محمد يقسمون يوم القيامة ثلاثة أثلاث : ثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ، وثلث يقول الله تبارك وتعالى لملائكته : قلبوا عبادي فانظروا ما كانوا يعملون .

فيقلبونهم فيقولون : ربنا نرى ذنوباً كثيرة وخطايا عظيمة . فيقول : قلبوا عبادي فانظرو ما كانوا يعملون فيقلبونهم إلى ثلاث مرات ، فيقول في الرابعة : قلبوا ألسنتهم فانظروا ما كانوا يعملون ، فيقلبون ألسنتهم ، وهو العالم بقولهم ، فيقولون : ربنا ، نراهم يخلصون لك ولا يشركون بك شيئاً . فيقول عبادي اخلصوا لي ولم يشركوا بي شيئاً اشهدوا يا ملائكتي إني قد غفرت لعبادي وقد رحمتي بالغفران لعبادي بما أخلصوا لي ولم يشركوا بي شيئاً .

ذكروا عن عقبة بن صهبان قال : سألت عائشة عن هذه الآية ، فقالت : نعم ، يا بنيّ ، كلُّهم إلى الجنّة؛ السابق من مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق ، والمقتصد من اتَّبع أثره من أصحابه حتى لحق به ، والظالم لنفسه مثلي ومثلك . فألحقت نفسَها بنا من أجل الحدَث الذي أصابت .

ذكروا عن عمر بن الخطاب قال : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له بعد توبته .

ذكروا عن الحسن قال : السابقون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، والمقتصد رجل سأل عن آثار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاتَّبعهم ، والظالم لنفسه منافق قُطِعَ بِه دونهم .

ذكروا عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ هذا الحرف : ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ فقال : سقط هذا ، يعني ما قال الحسن : إنه المنافق .

وتفسير مجاهد : إنه منافق . وقال : هي التي في سورة الواقعة ، السابقون هم السابقون ، يعني قوله تعالى : ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ [ الواقعة : 10 ] فوصف صفتهم في أول السورة ، والمقتصد أصحاب اليمين؛ وهم المنزل الآخِر في سورة الواقعة : ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾ [ الواقعة : 27 ] فوصف صفتهم . والظالم لنفسه أصحاب المشأمة .

وقال بعضهم : إن أصحاب اليمين هم الذين يحاسبون حساباً يسيراً ، وهو المقتصد في حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم أصحاب المنزل الآخِر في سورة الرحمن حيث يقول : ﴿ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ [ الرحمن : 62 ] فوصفهما . ومنزل السابقين المنزل الأول في سورة الرحمن : ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [ الرحمن : 46 ] .

قوله : ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ قد فسَّرنا ذلك في غير هذه الآية .

قوله : ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ﴾ . وقال في آية أخرى : ﴿ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ﴾ [ الإِنسان : 21 ] .

قوله : ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ذكروا عن أبي هريرة قال : دار المؤمن من درة مجوّفة ، في وسطها شجرة تنبت الحلل ، ويأخذ بأصبعيه حلّة منظمة باللؤلؤ والمرجان .

ذكروا عن عمرو بن ميمون الأزدي قال : إن المرأة من نساء أهل الجنة من الحور العين لَيَكُونَ عليها سبعون حلّة ، وإنه ليُرى مخُّ ساقها من وراء ذلك كما يبدو الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٩٢

[سورة فاطر — آية 32]

﴿ ثمَّ أوْرَثنا ﴾ أعطينا بسهولة ﴿ الكتاب ﴾ القرآن عطف على قوله : ﴿ الذى أوحينا إليك ﴾ الخ عطف فعلية على اسمية ، ولو عطفناها على أوحينا لتوافقتا فعليه ، وصح على وضع الكتاب موضع الضمير ، لكن فيه الأخبار قبل العطف ، أو الكتاب القرآن وغيره ، الجمهور على الأول وهو الصحيح ، وثم للتراخى الرتبى ، لأن عنوان الايراث أفضل من الإيحاء ، لأن فيه إيحاء وكيفية تمليك عظيمة ، وعكس بعض ، فيكون التراخى لما دون الأول ، وإن فسرنا الايراث بالحكم بالإيراث ، فالتراخى الى ما فوق ، على أن الحكم أفضل من الإيقاع ، وقد يعكس بأن فى الإيقاع حكما ووقوعا ، ويحصل تراخى الترتبة بكون الكتاب هو القرآن ، ويجوز الترتيب بالاخبار وبالزمان ، باعتبار أن تلقى الأمة القرآن والعمل به بعد الوحى لا معه ولا قبله ، ولا يخفى تراخى الزمان باعتبار الأمم السابقة .

﴿ الَّذين اصْطفَينا مِن عِبادِنا ﴾ هم هذه الأمة أمة الاجابة على الأول الصحيح ، وهو أن الكتاب القرآن ، أو المتقون مطلقا على الثانى ، وهو أن الكتاب القرآن وغيره ، اصطفى الله عز وجل هذه الأمة ، جعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس ، وخصمهم بالانتساب الى أفضل الأنبياء ، وقيل الذين اصطفينا علماء الأمة الصحابة ، ومن بعدهم اصطفاهم بالوقوف على حقائقه ودقائقه ، والأمانة عليه ، وزعمت الشيعة أنهم آل البيت ، والصحيح أنهم الأمة أو علماؤها ، فيدخل متقو آل البيت أولا ، وقيل المراد الأنبياء ، والكتاب الجنس ، وقيل المذكورون فى قوله تعالى : ﴿ ان الله اصطفى آدم ﴾ إلخ ، وليس كذلك ، ومن للتبعيض لا للبيان ، وليست الإضافة للتشريف ، لأن الراد مطلق العباد ، والذين مفعول أول لأنه الفاعل فى المعنى ، اى جعلناهم وارثين الكتاب ، وقدم الثانى لشرفه .

ولا مانع من أن يراد بالذين اصطفينا من عبادنا هذه الأمة ، مؤمنها وكافرها وضيع الكافر هذا الاصطفاء ، فتكون هاءات منهم فى قوله عز وجل : ﴿ فمنْهُم ظالمٌ لنفسِه ﴾ إلخ لجملة العباد أو واو يدخلونها للمقتصد ، والسابق ، ولا نصيب للظالم فى الجنة إن لم يتب ، كما فسر ابن عباس الآية به ، ولا يخفى أنه يبعد تفسير عباد بمؤمنى هذه الأمة ، والذين اصطفينا بعلمائها ، وأن الاضافة للتشريف ، إذ لا عهد يدل أن العباد مؤمنوها ، ولا مانع من أن يراد بالظالم لنفسه المسرف فى المعاصى ، ولو بالاشراك ، لكن مات تائبا ولو عند قرب موته جدا ما لم يره كما قال الله عز وجل : ﴿ إلا قوم يونس ﴾ وأنت خبير بأنه تكون درجة المسرف فى طول عمره ، دون درجة المقتصد والسابق ، إلا أن الله أن يفعل ما يشاء لزيادة فضله ، ولا طلاعة على شأنه فى توبته ، ولا سيما من أسرف ثم أقلع وبالغ فى الاجتهاد بقية عمره ، فربما التحق بالمقتصد أو السابق ، والعلم عند الله الرحمن الرحيم ، وقد تكون الهاءات للذين اصطفينا ، على أن الاصطفاء بالاسعاد ، فيدخل الظالم الائب فى الذين اصطفينا ، والظالم لنفسه شامل لمن ظلم غيره ، لأن ظلمه لغيره ظالم به نفسه ، وحسناته قليلة ، وسيئاته كثيرة ، ومنها أن لا يبالى من أين يزرقه ، وكثرة الاهتمام بالدنيا ، وترك النهى عن المنكر والجهل .

﴿ ومنَّهُم مُقتصِدٌ ﴾ يكثر السيئات والحسنات ، ولا يصر ، ومن أذنب ولم يقصد أن لا يتوب ، وغفل أو نسى ، فالحقيق أنه ليس مصرا ، ولا سيما أنه يستغفر من الذنوب إجمالا ، وقيل : متقى الكبائر : ولو مات على صغيرة إن لم يقصد الإصرار ﴿ ومنْهُم سابِقٌ بالخَيْراتِ ﴾ بالأعمال الصالحات يسبق الظالم ، والمقتصد بسببها فى الدرجات ، قلت سيئاته ، بطالب المناجاة ، فيبقى للمقتصد طلب الدرجات ، كيف يقال لطالب النجاة : ظالم ، ولا دليل على طلب المناجاة ، ولا يصح تفسيره بتارك الزلة ، والمقتصد بتارك الغفلة ، والسابق بتارك العلاقة ، لأن فى الأخيرين تشديدا لا دليل عليه ، وفى الأول الهجوم باسم الظالم تشديدا أيضا دون استحقاق ، وفى الأول الهجوم والحاضرة والمجاهد ، إذ ليس كل ساكن البادية جاهلا أو عاصيا ، ولا يفسر القرآن بالنظر الى الغالب ، ولا يحسن التفسير بأشخاص كفلان وفلان ، ولا بأنواع متشخصة كمن أسلم بعد الفتح ، ومن أسلم قبله ، ومن أسلم قبل الهجرة بل يحسن التعميم فى الكل ، مع أن فى كل واحد من الثلاثة طالب النجاة إلخ ، وتارك الزلة إلخ ، وساكن البادية إلخ مراتب .

وعن ابن عباس : السابق المؤمن المخلص ، والمقتصد المرائى ، والظالم كافر النعمة غير الجاحد لها ، ففى كلامه إثبات اسم الكفر لكفر النعمة ، ومراده بالمرائى التائب من الرياء أو من لم يخلص رياءه ، ففى بعض الآثار أنه من لم يتمحض رياءه بل له معه قصد من قلبه الى الله تعالى يثاب على ذلك ، وقيل : الظالم أصحاب الكبائر ، والمقتصد أصحاب الصغائر ، والسابق من لا كبيرة ولا صغيرة ، وقيل : الظالم الجاهل ، والمقتصد المتعلم ، والسابق العالم ، وقيل : الظالم من ظاهره خير من باطنه ، والمقتصد من استويا منه ، والسابق من باطنه خير من ظاهره .

﴿ بإذْن الله ﴾ بتيسيره عائد الى سابق فلا يعجب بنفسه ، فان الله الرحمن الرحيم هو الذى أنعم عليه بالتيسير ، وقدم الظالم لكثرته ، ولأن الاقتصاد بعد التوبة من الظلم ومعه ، ولئلا ييأس ، ولأن مبدأ المكلف القصور ، وتلويحا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه ، ولأن أول ما يدخل عليه التوبة والاصطفاء ، وبعد المقتصد لقتله بالنسبة الى الظالم ، وقربة من السابق ، وآخر السابق لئلا يعجب ، فلم يبق للمقتصد إلا التوسط ، إذ قدم الظالم لئلا ييأس مثلا ، أو أخر السابق ليتصل بقوله : ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ فهو يدخلها أيضا قبل ، ويليه فى الدخول المقتصد ، فتلاه فى الذكر ، فهو يدخل تاليا للسابق ، فاتصل به ، والظالم بعدها ، فأخر عن ذكر الجنة بالفصل بهما ، وأيضا وسط المقتصد بينهما فى الذكر ، كما توسط فى الدخول ، قيل : لو قدم سابق بالخيرات بإذن الله على ظالم أو مقتصد لحصل الفصل بقوله : ﴿ بإذن الله ﴾ قلت لا ضير .

﴿ ذلك ﴾ ما ذكر من الايراث والاصطفاء ﴿ هو الفضْل الكبير* جنات عَدْنٍ يدخُلُونها ﴾ والواو للأقسام بشرط التوبة ، كما مر قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية : « ثم أورثنا الكتاب » الى « الخيرات » وقال : هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم فى الجنة لقوله : بمنزلة واحدة ، والمراتب تختلف ، وفى الطبرانى ، عن أسامة بن زيد ، عنه صلى الله عليه وسلم : « كلهم من هذه الأمة وكلهم فى الجنة » وعن أنس وعمر ، عنه صلى الله عليه وسلم : « إن سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له » وفى الطبرى والطبرانى والبيهقى ، عنه صلى الله عليه وسلم : « السابق يدخل الجنة بغير حساب ، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا ، والظالم يحبس على طول المحشر ، ويشتد حزنه ثم يتلقاه الله برحمته ، وهو الذى يقول الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور » وفى البيهقى ، عن البراء أنه قرأ الآية ، فقال : « أشهد على الله تعالى أنه يدخلهم الجنة جميعا » وعن كعب الأحبار أنه قرأ الى ﴿ لغوب ﴾ فقال : دخلوها كلهم ورب الكعبة ألا ترى الى قوله تعالى على أثره : ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم ﴾ ولا تتوهم أن الموحد من أهل الجنة ولو أصر بل إن تاب .

﴿ يحلَّون فيها من أساور مِن ذهبٍ ولُؤلؤاً ﴾ خبر ثان لجنات ، أو حال من واو يدخلونها مقدرة ، لأن التحلية بعد الدخول لا مع الدوخل ، وأساور جمع الجمع وهو أسورة الذى هو جمع سوار بالكسر أو الضم ، لا جمع المفرد وإلا قيل : أساوير بالياء ، أو يحتاج الى دعوى حذفها ، ومن للتبعيض ، ولأن فعالا بفتح أو كسر أو ضم يجمع على فعائل لا على أفاعل ، وهى بعض ما خلق الله من الأساور ، وعلى جواز زيادة من فى الإثبات ، ومع المعرفة يكون مفعولا ثانيا بمعنى يلبسون أساور بالبناء للمفعول من الإلباس ، ويجوز أنها للبيان لمحذوف ، أى يحلون فيها زخارف أو حليا من أساور ، كما أنها بيانية فى قوله عز وجل : « من ذهب » لأساور ، أو تبعيض من جلمة ما خلق الله من الذهب ، ونصب لؤلؤا عطفا على المبهم المحذوف ، وفى البيهقى والترمذى ، عن أبى سعيد الخدرى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا الآية فقال : « إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة منهم لتضىء ما بين المشرق والمغرب » .

﴿ ولباسُهُم فيها ﴾ متعلق بلبأس بمعنى ملبوس ﴿ حَريرٌ ﴾ خالص ، وفسره بعض بمارق من الثياب ، والجملة الاسمية المخالفة للفعلية التى قلبها للدلالة على أن الحرير ثابهم المعتادة ، ولأن اللباس معلوم أنه لا بد منه ، وإنما يسأل عنه لو سئل عنه ما هو ، فقيل : إنه حرير ، فلذلك وللفاصلة لم يقل ويلبسون حريرا .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٩٢