سورة يس · الآية ٩ من ٨٣

‹ السورة السابقة
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ٩
الرسم الإملائيّ

وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

الجزء ٢٢الربع ١٧٦ صفحة ٤٤٠

تفسيرها

[سورة يس — آية 9]

}إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴿تقرير لتصميمهم على الكفر، والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني الآيات والنذر، بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم. ﴾فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴿ أي: فالأغلال، وأصله: إلى أذقانهم، فلا تخيلهم يطأطئون رؤوسهم غاضون أبصارهم، في أنهم لا يلتفتون لفت الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، ﴾فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9){ بمن أحاط بهم سدان، فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٧١٤

[سورة يس — آية 9]

قال : ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ ذكروا عن عكرمة قال : ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً ﴾ قال : ما صنع الله فهو سَد ، وما صنع ابن آدم فهو سُد ] . وقد قالوا : ﴿ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ [ فصّلت : 5 ] أي : فلا نبصر ما تقول .

قال : ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أي : الهدى . وهذا كلّه كقوله : ﴿ وَأَضَلَّهُ الله عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ﴾ فلا يبصر الهدى بالكفر الذي عليه . قال : ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله ﴾ [ الجاثية : 23 ] أي : لا أحد يهديه بعد أن يضلّه الله بفعله .

وبعضهم يقول : ﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ﴾ أي : ما كان عليه آباؤهم ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ أي : من خلف آبائهم ﴿ سَدّاً ﴾ يعنيهم؛ وهو تكذيبهم بالبعث . ﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ ﴾ يعني ظلمة الكفر بكفرهم ، ﴿ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أي : لا يبصرون الهدى .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٧١٤

[سورة يس — آية 9]

﴿ وجَعَلنا مِن بيْن أيديهم ﴾ قدامهم ﴿ سدا ﴾ عظيما مانعاً من قبول دين الله باختيارهم ﴿ ومِنْ خْلْفِهِم سداً ﴾ كذلك ، وذكرهما كناية عن جميع الجهات ، وأيضا كفى عن ذكرهن قوله تعالى : ﴿ فأغشيناهم ﴾ غطيناهم ، والفاء لمجرد الترتيب ، إلا أنه يحتمل أن المراد أغشيناهم بالسدين ، فتكون للتقريع ﴿ فهُم ﴾ بسبب ذلك ﴿ لا يُبْصرُون ﴾ الحق بسوء اختيارهم ، فان تصميمهم على الكفر كالأغلال ، واستكبارهم عن قبول الحق كالإقماح ، إذ فيه إذ فيه رفع الرأس ، وعدم النظر فى أحوال من قبلهم كسد من خلفهم ، وفيما يستقبل كسد من قدامهم ، وفى جمع الأيدى الى الأعناق تلويح الى منع التوفيق حين استكبروا ، لأن المتضع يضع عنقه ولا يرفعه ، وفى الاقماح تلويح الى أنهم لم ينظروا فى شأن أنفسهم ، فان المقمح لا ينظر بدنه ، وفى السد تلويح بأنهم لا ينظرون الى آيات الآفاق الدالة على الواحدانية ، وفى أنا جعلنا إلخ تشبيه لتصميمهم على الكفر بربط الأيدى الى الأعناق ، وجعل الأغلال فى الأعناق فى النار مستقبل ، والماضى لتحقق الوقوع .

أو المعنى قضينا بجعل الأغلال فى أعناقهم ، ومثل قوله ﴿ لا يبصرون ﴾ قوله عز وجل : ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ قال رب لم حشرتنى أعمى ﴾ وفى النار والمواقف مواطن ، فتارة يبصرون ليعاينوا عذابهم وقبحهم وإخوانهم ، قوله عز وجل : ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ إن لم يفسر بالإدراك ، وليس المقام لذكر الإنفاق حتى يفسر جعل الأغلال فى الأعناق كناية عن عدم الإنفاق كقوله تعالى : ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ ولا بد من تفسير الآيات بما ذكر من وجوه الدين والآخرة مع ما طابقها من وقائع الحال فى الدنيا ، مثل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ، فقام قوم من قريش ليأخذوه ، فجمعت أيديهم الى أعناقهم ولا يبصرون ، فأنشدوه الله تعالى ، وما فى قريش بطن إلا وله صلى الله عليه وسلم قرابة فيهم ، فدعا الله فشفاهم من ذلك ، وإن أبا جهل لعنه الله ، أخذ حجرا ليضربه فى الصلاة فألزق فى يده حين دنا ، وانثنت يده الى عنقه ، فرجع وما فك إلا بجهد ، فأخذه مخزومى آخر ، فلما دنا عمى ، فنادى أصحابه فرجع بأبصره ، وقد سمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رآه وقال : رأيت فحلا يخطر بذنبه لو دنوت لأكلنى ، فأخذه مخزومى آخر فرجع ينكص حتى وقع على قفاه مغشيا عليه ، فأخبرهم أنه رأى فحلا أعظم ما يكون يخطر بذنبه حين دنوب ، لو لم أرجع لأكلنى فنزلت الآيات لذلك كله .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٧١٤