سورة ص · الآية ٢٠ من ٨٨

‹ السورة السابقة
وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَیۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ٢٠
الرسم الإملائيّ

وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ

الجزء ٢٣الربع ١٨١ صفحة ٤٥٤

تفسيرها

[سورة ص — آية 20]

}إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ ﴿ للـدلالة على تجدد التسبيـح حالا بعد حال، ﴾بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴿ أي: مجموعة إليه من كل جانب، ﴾كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) ﴿ كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح؛ والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح، وهذا على المداومة عليها؛ أو كل منها ومن داوود مرجع إلى الله التسبيح؛ ﴾وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴿وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود، ﴾وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴿ النبوة أو كمال العلم، وإتقان العمل، ﴾وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) { فصل الخصام، بتميز الحق عن الباطل، والكلام الملخص، الذي ينبه المخاطب من غير التباس، يراعى به مظان الفصل والوصل.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٠

[سورة ص — آية 20]

قوله : ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ ﴾ أي : أعطيناه ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ أي : النبوة ﴿ وَفَصْلَ الخِطَابِ ﴾ أي الفهم في القضاء وفصل الخطاب . قال الحسن : العدل في القضاء .

ذكر حميد الأعرج أن ابن عباس قال : ﴿ وَفَصْلَ الخِطَابِ ﴾ البيّنة على المدّعي واليمين على المدَّعى عليه .

ذكروا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المدّعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بيّنة » .

ذكروا عن عطاء بن السايب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلّف المدعِيَ البينةَ ، فلم تكن له بينة ، فاستحلف المدَّعَى عليه بالله الذي لا إِله إِلا هو ما عليه حق . فنزل عليه جبريل عليه السلام وقال : يُرَدّ على الرجل ماله وكفارته شهادته ، أو قال : معرفته أن لا إِله إِلا الله . وبعضهم يقول : فصل الخطاب : أما بعد .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٠

[سورة ص — آية 20]

﴿ وشَدَدنا مُلْكه ﴾ قويناه بالهيبة والجنود ، ومزيد النعمة ، وقيل بالهيبة والنصر ، ويقال : يحرسه كل يوم وليلة أربعة آلاف ، ويقال يحرسه حول محرابه أربعون ألف رجل لابس لأمة الحرب ، والله يعلم هل صح ذلك ، والله أن يفعل ما يشاء ، وفى الطبرى عن ابن عباس : ادعى رجل بقرة علىآخر عنده فقال : قوما أنظر فى أمركما ، فقيل له : فى المنام أقتل المدعى عليه ، وقال بعد يقظة لا أعجل للرؤيا ، وكذا فى الثانية ، وقيل له فى الثالثة : إن لم تقتله ينزل عليك عقاب ، فأحرضره للقتل ، فقال : أبلا بيِّنة قال : أمرنى ربى ، فقال : أخبرك أنى ما أخذت بالبقرة ، بل بأنى قتلت أبا المدعى غيلة فقتله فعظمت هيبته بذلك .

﴿ وآتيناهُ الحْكْمَة ﴾ الزبور والتوراة والنبوة ، وكمال العلم والعمل ، وموافقة الحق ﴿ وفَصْل الخِطَاب ﴾ أى فصل الخصام بتمييز الحق ، وسمى الخصام خطابا لاشتماله عليه ، أو لأنه أحد أنواعه خص به ، لأنه المحتاج للفصل ، والاضافة اضافة مصدر لمفعوله ، أو فصل الخطاب الكلام الذى يفصل به بين ما صح وما فسد فى الحكم بين الناس ، وأمر الدنيا أو بمعنى المفصول وهو المقصود ، أو فصل الخطاب الكلام المتوسط لا اخلال ولا املال .

كما ورد أن كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا نزر ولا هدر ، والفصل بمعنى الفاصل أو المقصود عند السامع المبين عنده ، والاضافة اضافة صفة لموصوفها ، ودخل فى فصل الخطاب قول داود عليه السلام : « البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه » ولمن قوته فى الحكم أن أحدا شكا اليه جاره أنه سرق وزة ، فخطب وقال : إن منكم من يحضر الخطبة وعلى رأسه ريشة ، فوضع السارق يده على رأسه خوف أن تكون عليه ريشة ، فقال لصاحب الوزة هو السارق .

ومثله إياس بن معاوية إذ شكا اليه رجل آخر أنه انكر وديعة له ، فقال له : من يشهد لك؟ قال : لا شاهد ، قال : فى أى موضع أودعته؟ قال عند شجرة ، قال : فاذهب اليها لعلك تذكر ما نسيت ، ثم قال للمنكر : هل بلغ موضع الشجرة؟ قال : لا ، قال إياس لمدعيه : قد أقر لك المنكر فخذه .

ومثله ما روى : أن رجلا ادعى أنه أسلم لرجل عشرة دناينر فأنكر ، فقال القاضى : فى أى موضع؟ فقال : فى مسجد من مساجد الكرخ ، فقال : اذهب وأتنى بورقة من ذلك المسجد تحلفه بها ، فمضى ، ثم قال للمنكر : أظننت أنه المسجد؟ قال : لا ، قال القاضى للمدعى : خذه فقد أقر لك .

وقوله : أما بعد ، فان أبا موسى الأشعرى قال : هو أول من قالها ، فإما أن يتكلم بهذا اللفظ العربى ولو كان عليه السلام عجميا ، وأما أن ينطق بمعناه فى لغته ، فان فى لغة العجم ما فى لغة العرب من الفصل والوصل والإضمار والإظهار ، والعطف والاستئناف والحصر والحذف والتكرار ، وغير ذلك بألفاظ تؤديها كأنها حكاية للعربية الا أن العربية أفصح وأبلغ وأحلى .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٠