قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡخُلَطَاۤءِ لَیَبۡغِی بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِیلࣱ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَ̅خَ̅رَّ̅ ̅رَ̅ا̅كِ̅عࣰ̅ا̅ وَأَنَابَ٢٤
الرسم الإملائيّ
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
الجزء ٢٣الربع ١٨٢ صفحة ٤٥٤ موضع سجدة ۩
تفسيرها
} قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ { الشركاء
الذين خلطوا أموالهم }لَيَبْغِي ﴿ ليتعدى ﴾بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴿ الذين عادتهم دون الأولين، ﴾وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴿ ابتلينـاه بالذنب وامتحنـاه بتلك الحـكومة، ﴾فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ { لذنبـــه،
}وَخَرَّ رَاكِعًا ﴿ ساجدا على تسمية السجود [ركوعا] ﴾وَأَنَابَ (24 { ورجع إلى الله بالتوبة.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٤
﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ أي ابْتَلَيْنَاهُ ﴿ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً ﴾ والركوع ها هنا هو السجود ﴿ وَأَنَابَ ﴾ أي : وأقبل إلى الله بالتوبة والدعاء .
وتفسير الحسن أن داوود جمع عُبّاد بني إسرائيل فقال : ايكم كان يمتنع من الشيطان يوماً لو وكله الله إلى نفسه؟ فقالوا : لا أحد إلا أنبياء الله . قال : فكأنه خطر في الوهم شيء .
قال : فبينما هو في المحراب في يوم صلاته ، والحرس حوله والجنود ، فبينما هو يصلي ، إذا هو بطير حسن قد وقع في شرفة من شرفات المحراب . قال بعضهم : حمامة من ذهب ، وبعضهم يقول : طير جؤجؤه من ذهب ، وجناحاه ديباج ، ورأسه ياقوتة حمراء ، فأعجبه . وكان له بُنيٌّ يحبه . فلما أعجبه حسنه وقع في نفسه أن يأخذه فيعطيه ابنه .
قال الحسن : فانصرف إليه فجعل يطير من شرفة إلى شرفة ولا يؤيسه من نفسه حتى ظهر فوق المحراب . وخلف المحراب حائط تغتسل فيه النساء الحُيَّض إذا طهرن ، لا يشرف على ذلك الحائط إلا من صعد على المحراب ، والمحراب لا يصعده أحد من الناس .
فصعد داوود خلف ذلك الطير ففاجأته امرأة جاره ، لم يعرفها ، تغتسل . فرآها فجأة ، ثم غضّ بصره عنها ، فأعجبته . فأتى بابها فسأل عنها وعن زوجها؛ فقالوا : إن زوجها في أجناد داوود . فلم يلبث إلا قليلاً حتى بعثه عامله بريداً إلى داوود . وأتى داوودَ بكتبه . ثم انطلق إلى أهله ، فأُخبِر أن نبي الله داوود أتى إلى بابه فسأل عنه وعن أهله . فلم يصل الرجل إلى أهله حتى رجع إِلى داوود ، مخافة أن يكون حدث في أهله من الله أمر . فأتى داوودَ وقد فرغ من كتبه . وكتب إلى عامل ذلك الجند أن يجعله على مقدمة القوم . فأراد أن يقتل الرجل شهيداً ويتزوج امرأته حلالاً . إلا أن النية كانت مدخولة . فجعله على مقدمة القوم فقُتِل الرجل شهيداً .
قال فبينما داوود في محرابه والحرس حوله إذ تسوّر عليه المحراب ملكان في صورة آدميين ففزع ، فقالا : ﴿ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا ﴾ أي وأرشدنا ﴿ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ أي : إلى قصد الطريق .
قال : قُصَّا قضيتكما . فقال أحدهما . ﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ : أَكْفِلْنِيهَا ﴾ أي : ضُمَّها إِلي ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ أي : وقهرني في الخصومة . ﴿ قَالَ لَقَد ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ﴾ . . . إلى قوله : ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ أي وعلم داوود أنما ابتليناه ﴿ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً ﴾ أي ساجداً أربعين يوماً لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة يقيمها ، أو لحاجة لا بد منها ، أو لطعام يَتَبَلَّغ به . فأتاه ملك من عند الله فقال : يا داوود ، ارفع رأسك فقد غفر الله لك . فعلم أن الله قد غفر له . ثم اراد أن يعرف كيف غفر الله مثل ذلك الذنب ، فقال : يا ربّ ، كيف تغفر لي وقد قتلتُه ، يعني بالنية . فقال له ربه : استوهبُه نَفْسَه فيهبها لي فاغفرها لك . فقال : أي ربّ ، قد علمت أنك قد غفرت لي .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٤
﴿ قالَ ﴾ داود ﴿ لَقَد ظَلَمك ﴾ والله لقد ظلمك فى صورة كلامك أن أن تحققت وصدقت فيها ، وهذا حكم قبل كلام المدعى عليه وهو ضعيف ، وخلاف الأصل ولو شرط له التحقق والصدق ، كما رأيته مقدرا واذا صرنا الى التقدير ، ولا بد فلنقدر هكذا ، وأقر المدعى عليه أو نقدر ، قال : ما تقول أنت؟ فقال : صدق خصمى ، فقال داود : لقد ظلمك ﴿ بسؤال نعْجتك إلى نِعَاجه ﴾ لئن لم ترجع أيها المدعى عليه المقر ، لأكسرن الذى فيه عيناك ، فتبسما ولو يرهما ، أو رآهما صاعدين الى السماء ، وقيل : ضحك ، وقيل : قال خصم الرجل أى غلب أى داود ، فعلم أنهما ملكان ، وتمام ظنه أنه ابتلى بهما بعد تمام قوله : ﴿ وقليل ما هم ﴾ والسؤال الطلب ، وعدى بإلى لأنه جلب لنعجة الى نعاجه .
﴿ وإنّ كثيراً مَنَ الخُلَطاءِ ﴾ المختلطين بالشركة فى المال أو الملاحقة والجوار فيه ﴿ ليَبغى ﴾ يتعدى ﴿ بعْضُهم على بعْضٍ ﴾ يأخذ ما ليس له من مال خليطة كما ظلمك خصمك ظلما ، عظيما بينا ، لكل من علم به ، اذا أخذ نعجتك الواحدة وخلاك بلا نعجة ، وضمها الى نعاجة الكثيرة اعراضا عن حق الله وحق الخلطة ، وزاد داود التأكيد بالبيان اذ قال : وإن كثيرا الخ ﴿ إلا الَّذينَ آمنُوا وعَملوا الصالحات ﴾ استثناء متصل من الخلطاء ، وان كان من كثيرا فمنقطع ، لأن ما استثنى من الكثير هو القليل ، والقليل هو مفهوم الكثرة ، فلا يستثنى منه الذين آمنوا وقد حدوا على وجه ينقص .
﴿ وقليلٌ ﴾ خبر مقدم للحصر فى القلة ﴿ مَّا ﴾ حرف مزيد لتأكيد القلة ، أو مفعول مطلق للتأكيد ، أى قلة عظيمة ، وتفيد ما فى مثل ذلك التعجيب أو التعجب فيما قال بعض المحققين ﴿ هُم ﴾ مبتدأ ﴿ وظنَّ داوُد أنَّما فتنَّاه ﴾ ما أردنا بذلك الا فتنة ، ولو كان الحصر فى الهاء لقيل : انما فتنا اياه ، والفتن الابتلاء ، هل يعلم أنه المراد بذلك أو الابتلاء بما فعل حتى كانت قصة الخصامي؟ والمراد بالظن العام بدليل ما بعد ، واعلم أن انما بالكسر فى افادة الحصر ، والمعنى أردنا فتنته لا غيرها ولا تهم ،
﴿ فاسْتَغَفَر ربَّه ﴾ مما صدر منه شبيها بقصة الخصمين ﴿ وخَرَّ راكعاً ﴾ أسرع كأنه سقط ولم يملك امساك نفسه كالجماد الملقى ، والركوع الانحناء الموصل الى السجود ، فهو راكع ، أو لا ساجد ثانيا باتصال وانما يتم هذا لو كان قضاؤه بينهما حال قيامه ، أو قام بعد قضائه فظن أنه فتن ، والأولى أنه قضى قاعد وظن قاعد أنه فتن ، وأنه سمى السجود ركوعا لجامع الانحناء ، أو لأن الركوع سبب السجود من القائم الذى لا يتمالك الامساك ، ولأن مريدا لسجود من قيام لا بد له من الانحناء كالراكع ، والعرب تقول : نخلة راكعة ، ونخلة ساجدة ، ولو بمعنى مصليا ، وليس فى الآية ما يدل على أن داود فى الصلاة ، ولو جاء فى شرعنا صلاة ركعتين عند التوبة من الذنب ، ولا يغنى الركوع عن السجود فى الصلاة ، ولا فى سجود التلاوة لما رأيت من تأويل الآية ، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سجدة فسجد ، فقال : « سجدها داود توبة ، ونسجدها شكرا » ﴿ وأناب ﴾ الى الله بالتوبة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٤