سورة ص · الآية ٢٥ من ٨٨

‹ السورة السابقة
فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَءَابࣲ٢٥
الرسم الإملائيّ

فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ

الجزء ٢٣الربع ١٨٢ صفحة ٤٥٤

تفسيرها

[سورة ص — آية 25]

}فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴿ أي: ما استغفر عنه، ﴾وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴿ لقربة بعد المغفرة ﴾وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) ﴿ مرجع في الجنة، ﴾يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴿ استخلفناك على الملك فيها، أو جعلناك خليفة من قبلك من الانبياء والقائمين بالحق، ﴾فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴿ بحكم الله ، ﴾وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴿ ماتهوى النفس، وهويؤيد ما قيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي، وتظليم الاخر قبل مسألته، ﴾ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ { دلائله التى نصبها على الحــق،

}إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴿ عاجلا و آجلا ﴾بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26){ بسبب نسيانهم، وهو ضلالهم عن السبيل، فإنه بذكره تقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٥

[سورة ص — آية 25]

قال الله : ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى ﴾ أي : لقربى في المنزلة ﴿ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أي : حسن مرجع .

قال الكلبي : إن داوود قال : رب اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمت موسى تكليماً ، فوددت أنك أعطيتني من ذلك ما أعطيتهم . قال الله : إني ابتليتهما بما لم ابتلك به . قال : فإن شئت أبتليك بما ابتليتهما وأعطيك مثل ما أعطيتهما . قال : رب ، نعم . قال : اعمل عملك حتى يتبيّن بلاؤك . فمكث ما شاء الله بذلك؛ يصوم النهار ويقوم الليل . فكان على ذلك .

فبينما هو في المحراب ذات يوم ، والزبور بين يديه ، إذ جاء طائر فوقع قريباً منه . فتناوله داوود ، فطار إلى الكوى ، فقام ليأخذه قال بعضهم : فوقع في مضجعه فقام ليأخذه ، فوقع الطير إلى البستان ، فأشرف داوود فنظر ، فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان . فعجب من حسنها . فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطاها . فزاده ذلك عجباً بها . ثم أرسل غلاماً له فقال : اتبع هذه المرأة فاعلم من هي ، أو ابنة من هي ، وهل لها زوج . فاتبعها الغلام حتى عرفها فرجع فقال : هي ابنة فلان ، وزوجها فلان ، وكان يومئذ مع ابن أخت داوود في بعث . فكتب داوود إلى ابن أخته : أن ابعث فلاناً [ واجعله بين يدي التابوت ] فلا يرجع حتى يفتح المدينة أو يقتل . فبعثه فقتل . فلما انقضت عدة المرأة أرسل إليها فتزوجها ، وهي أم سليمان بن داوود .

فلما علم الله ما وقع في عبده أحب أن يستنقذه فأرسل إليه ملكين فأتياه في المحراب ، والحرس حول المحراب ، وهم ثلاثة وثلاثون ألفاً . فرأى داوود الرجلين قد تسوّروا المحراب ، ففزع منهما وقال : لقد ضعف سلطاني حتى إن الناس تسوّروا محرابي . فقال أحدهما : ﴿ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ﴾ . . . إلى قوله : ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ . تفسير هذا المقرإ عند الكلبي : إن دعا دعوة يكون أكثر نداء مني ، وإن بطش بطشه يكون اشد بطشاً مني . فقال له داوود : ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ﴾ . . . إِلى : ﴿ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾ . فنظر أحدهما لصاحبه فضحكا ، وعلما أن داوود لم يفطن ، فرجعا من حيث أقبلا .

قال الله : ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾ . . . إلى آخر الآية . فسجد داوود أربعين يوماً وأربعين ليلة لا يأكل ولا يشرب ، ولا يرفع رأسه ، ولا يقوم ، ولا يفتر من الدعاء . فتاب الله عليه . قال الله : ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ . وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٥

[سورة ص — آية 25]

﴿ فغَفَرنا له ذلِكَ ﴾ الذى فارق ، واستغفر منه ، كانا لوزيره أوريا امرأة واحدة ، فطلبه أن يطلقها ليتزوجها ، مع أن له تسع وتسعين امرأة غيرها ، فاستحيى أن يريده فطلقها فتزوجها داود ، وهى أم سليمان فيما قيل ، وكان ذلك جائزا عندهم عندهم غير مخل بالمروءة ، كما كان الأنصارى فى أول الإسلام ينزل عن احدى امرأتيه أو نسائه للمهاجر يتزوجها ، ومع حل ذلك عد عليه ذنبا اذ لم تغلبه الرأفة بأخيه ، واذا لم يقهر نفسه ، ومثل ذلك أنه خطبها أوريا ، وخطبها مع علمه بخطبة أوريا ، فاختاره أولياؤها على أوريا ، فمن جاز ذلك فى شرعه والا فهو بعيد عنه ، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ، أو يساوم على سومه ، وقيل : خطبها ولم يعلم بخطبة أوريا ، فعوقب بأنه لم يسأل لعلها فى خطبة أحد قبله ، وفى هذا تشديد ، وقد يسيغه كثرة نسائه التى تدعوه أن يتورع .

ويقال تمنى أن يتزوجها ان مات زوجها أوريا فى الجهاد بعوقب اذ غلب حبها على حب أخيه فى ذلك ، وكفر من قال : أعطاه الراية وقدمه ليموت فيتزوجها ، وقيل : كان فى شرعه أن أولياء الميت أولى بتزوج امرأته ، وتزوجها وليس منهم ، ولا يحل أن ينسب ذلك اليه أن حرم على غير الولى ، ولعله كان ذلك ندبا فعوقب لاختياره غير الأولى ، وقد قيل : انه امره بقتل البلقاء مرارا ليموت فيتزوجها ، وذلك خطأ وضلال من قائله ، وفى تلك الأقوال بدون التأويل الذى ذكرت يقع قول على أن صح عنه أنه من حدث بحديث داود على ما قصه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ، وذلك ضعف الحد فى الافتراء ، لأنه نبى وذك حد من افترى على نبى .

وقيل : مالت نفسه طبعا الى مرأة نظر اليها فى الخصام ليثبتها لا لشهوة ، فمنعته بعض نفله وهو بعيد عن منصب النبوة ، ويقال : أنه ظن أن الخصمين ، وهما آدميان أرادا قتله ولم يريداه ، وقيل : أراد الانتقام منهما قدم ، وهذان لا يناسبان التشديد عليه بحسب ما يظهر فلا يفسر بهما الا أن لله تعالى أن يفعل ما يشاء ، وأنه قيل : انه بكى أربعين ليلة حتةى نبت من دموعه نبات عطى رأسه ، ولا يشرب الا وثلثا شرابه دموع ، وفيه بعد ، ونقول : من أين هذه الدموع؟ من داود؟ وهل الدمع ينبت النبات به كما ينبت بالماء ﴿ وإنَّ لهُ عنْدَنا ﴾ متعلق بله لنيابته عن ثابتة ، أو بثابتة ﴿ لَزُلْفى ﴾ قربة بعد المغفرة ﴿ وحُسْن مآب ﴾ حسن رجوع ، أى ذهاب الى الجنة أو مآب اسم مكان ، وحسن نعته قدم وأضيف اليه بمعنى الوصف ، أى مآبا حسنا يفتح الحاء والسين ، أو ذا حسن بضم واسكان .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٩٥