سورة الزمر · الآية ٢١ من ٧٥

‹ السورة السابقة
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَسَلَكَهُۥ یَنَٰبِیعَ فِی ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ یُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعࣰا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ٢١
الرسم الإملائيّ

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ

الجزء ٢٣الربع ١٨٤ صفحة ٤٦٠

تفسيرها

[سورة الزمر — آية 21]

}أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴿ فأدخله ﴾يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴿ هي عيون ومجاري كائنة فيها، ﴾ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴿ يتم جفافه، ﴾فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴿ فتاتا﴾إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى{ ، تذكر بأنه لا بد له من صانع حكيم دبره وسواه وبأنه مثل الحيـاة الدنيـا فلا يغتر بها،

}لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21) {إذ لا به غيرهم.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٧٩

[سورة الزمر — آية 21]

قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ﴾ والينابيع العيون . ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أََلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾ كقوله : ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ ﴾ . . إلى آخر الآية [ يونس : 24 ] . قال : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأِوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ أي : لذوي العقول ، وهم المؤمنون ، يتذكّرون فيعلمون أن ما في الدنيا ذاهب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٧٩

[سورة الزمر — آية 21]

﴿ ألَم تَر أنَّ الله أنْزل مِن السَّماءِ ماء ﴾ إلى قوله ﴿ حطاما ﴾ تمثيل لسرعة زوال الدنيا ، وكأنها زالت فكيف يطمئن اليها ، وكأنكم بعدها بتلك الدار التى فيها الغرف المذكورة ، وبيان لقدرة الله تعالى ، فلا تنكر تلك الغرف ، والمياه المذكورة ، والسماء جهة العلو ينزل الماء مناه لأسباب خلقها الله ، ويوجد الماء بها كالأبخرة تصعد الى العلو ، فيقلبها ماء ، وقيل : السماء الدنيا ينزل الماء منها فى مدة يسيرة بقدرة الله ، أو مدة طويلة ينزل فيها فيصل لأوقاته ، وقيل : يحتبس البخار فى الأرض فينقلب ماء ، واذا عثر بحيث لا تسعه الأرض انشقت فالفجر عيونا ، وهو قول قوم كثر بحار الجهل فى قلوبهم ، فانشق الى هذا الكلام ، وقيل : الماء ما فى الأرض من الماء الذى أنزله الله تعالى من تحت العرش ، وأسكنه الأرض حين خلقها ، والمعروف أنا نرى الماء ينعقد من أبخرة ، وأن ماء الأرض من الأمطار يخزن فيها ، يقل بقلة المطر ، ويكثر بكثرته ، ويقال بعضه من أول خلق الأرض وبعضه من المطر ، وعن ابن عباس : لا ماء فى الأرض إلا من السماء ، ونحو : « ألم تر » ولو كان بمعنى ألم تعلم كثير فى الاستعمال ، ولو فيما لم يشاهد ، لكن أصله فيما يشاهد ولا مانع منه هنا ﴿ فسلكه ﴾ أدخله ﴿ يَنابِيعَ ﴾ مجارى كالعروق فى الاجساد ، وهو ظرف أو يقدر فى ، والمفرد ينبوع ، ويبعد أن يجعل ينابيع بمعنى نوابع ، فيكون حالا وهو ضعيف ، لأنه لم يقل من الأرض بل قال : ﴿ فى الأرض ﴾ فنحتاج الى أن فى بمعنى من أو الى ، والمعنى أنه ينبع فى مواضع النبع منها .

﴿ ثمَّ يُخرجُ به زرعا ﴾ أى بسببه ، إذ جعله الله تعالى سببا كل ذلك عن الله خلق للسب والمسبب ، وتأثره ولو شاء لأخرج النبات النار أو من الهواء من الحدر بلا ماء ، أو من حديد ولا بأس بجعل المدخلية للماء ، بان نجعل الهاء للماء بالتقدير مضاف فيقال : يخرج الله تعالى الزرع بالماء ، ولا بأس فى ذلك لأن تلك المدخلية لا يحتاج الله تعالى غليها فى إخراج الزرع ، وهو خلقها ، وجعل الله تعالى الأمور مرتبة على الأسباب إليها القلب ، وتعمل الجوارح ، ويثاب العامل ، ولو لم يكن الأسباب لكان الانسان فى غم مما يفجأ من خير أو ضر ، لا يدرى أيهما يكون ، ولا متى يكون ﴿ مُخْتلفَا أَلْوانُه ﴾ أنواعه كبرٌ وشعير ، أو خضرته وصفرته وحمرته ، أو الأنواع الكيفيات الشاملة لذلك كله ، والزرع شامل لما يأكله الناس ، وما لا يأكلونه ، وهو ما حرثه الناس لا ما نبت مطلقا ولو بلا حرث ، وتحتمل ارادة هذا العموم على التجوز لعلاقة الاطلاق والتقييد .

وثم فى ذلك وفى قوله : ﴿ ثمَّ يَهيجُ ﴾ للتراخى فى الزمان ، ولا ينافى سوق الآية تمثيلا للسرعة ، لأن فى هذه الدنيا سريعا وبطيئا ، ويجوز أن تكون للتراخى فى الرتبة والهيجان ، اليس حقيقة لا مجاز من مجاز الأول والمشارفة عن الهيجان بمعنى التفتت والذهاب بالييس كما قيل ﴿ فتراه مُضْفَّرا ثمَّ يجْعلُه حُطاما ﴾ مفتتا ﴿ إنَّ فى ذلك لذِكْرى ﴾ تذكرة أو تذكير بهوان الدنيا ﴿ لأولى الألباب ﴾ فلا يغترون بالدنيا ، ولا يستنكرون إجراء الأنهار من تحت الغرق ، ولا يتبادر أن المعنى تذكيرا أو تذكرا بأنه لذلك من صانع حكيم ، وليس كل ما صح معناه تفسير به الآية ، ولو لم يكن دليل عليه ، ولا الآية مسوقة له .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٧٩