تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الزمر

الجزء الزمر · صفحة ٠
[سورة الزمر — آية 21]

﴿ ألَم تَر أنَّ الله أنْزل مِن السَّماءِ ماء ﴾ إلى قوله ﴿ حطاما ﴾ تمثيل لسرعة زوال الدنيا ، وكأنها زالت فكيف يطمئن اليها ، وكأنكم بعدها بتلك الدار التى فيها الغرف المذكورة ، وبيان لقدرة الله تعالى ، فلا تنكر تلك الغرف ، والمياه المذكورة ، والسماء جهة العلو ينزل الماء مناه لأسباب خلقها الله ، ويوجد الماء بها كالأبخرة تصعد الى العلو ، فيقلبها ماء ، وقيل : السماء الدنيا ينزل الماء منها فى مدة يسيرة بقدرة الله ، أو مدة طويلة ينزل فيها فيصل لأوقاته ، وقيل : يحتبس البخار فى الأرض فينقلب ماء ، واذا عثر بحيث لا تسعه الأرض انشقت فالفجر عيونا ، وهو قول قوم كثر بحار الجهل فى قلوبهم ، فانشق الى هذا الكلام ، وقيل : الماء ما فى الأرض من الماء الذى أنزله الله تعالى من تحت العرش ، وأسكنه الأرض حين خلقها ، والمعروف أنا نرى الماء ينعقد من أبخرة ، وأن ماء الأرض من الأمطار يخزن فيها ، يقل بقلة المطر ، ويكثر بكثرته ، ويقال بعضه من أول خلق الأرض وبعضه من المطر ، وعن ابن عباس : لا ماء فى الأرض إلا من السماء ، ونحو : « ألم تر » ولو كان بمعنى ألم تعلم كثير فى الاستعمال ، ولو فيما لم يشاهد ، لكن أصله فيما يشاهد ولا مانع منه هنا ﴿ فسلكه ﴾ أدخله ﴿ يَنابِيعَ ﴾ مجارى كالعروق فى الاجساد ، وهو ظرف أو يقدر فى ، والمفرد ينبوع ، ويبعد أن يجعل ينابيع بمعنى نوابع ، فيكون حالا وهو ضعيف ، لأنه لم يقل من الأرض بل قال : ﴿ فى الأرض ﴾ فنحتاج الى أن فى بمعنى من أو الى ، والمعنى أنه ينبع فى مواضع النبع منها .

﴿ ثمَّ يُخرجُ به زرعا ﴾ أى بسببه ، إذ جعله الله تعالى سببا كل ذلك عن الله خلق للسب والمسبب ، وتأثره ولو شاء لأخرج النبات النار أو من الهواء من الحدر بلا ماء ، أو من حديد ولا بأس بجعل المدخلية للماء ، بان نجعل الهاء للماء بالتقدير مضاف فيقال : يخرج الله تعالى الزرع بالماء ، ولا بأس فى ذلك لأن تلك المدخلية لا يحتاج الله تعالى غليها فى إخراج الزرع ، وهو خلقها ، وجعل الله تعالى الأمور مرتبة على الأسباب إليها القلب ، وتعمل الجوارح ، ويثاب العامل ، ولو لم يكن الأسباب لكان الانسان فى غم مما يفجأ من خير أو ضر ، لا يدرى أيهما يكون ، ولا متى يكون ﴿ مُخْتلفَا أَلْوانُه ﴾ أنواعه كبرٌ وشعير ، أو خضرته وصفرته وحمرته ، أو الأنواع الكيفيات الشاملة لذلك كله ، والزرع شامل لما يأكله الناس ، وما لا يأكلونه ، وهو ما حرثه الناس لا ما نبت مطلقا ولو بلا حرث ، وتحتمل ارادة هذا العموم على التجوز لعلاقة الاطلاق والتقييد .

وثم فى ذلك وفى قوله : ﴿ ثمَّ يَهيجُ ﴾ للتراخى فى الزمان ، ولا ينافى سوق الآية تمثيلا للسرعة ، لأن فى هذه الدنيا سريعا وبطيئا ، ويجوز أن تكون للتراخى فى الرتبة والهيجان ، اليس حقيقة لا مجاز من مجاز الأول والمشارفة عن الهيجان بمعنى التفتت والذهاب بالييس كما قيل ﴿ فتراه مُضْفَّرا ثمَّ يجْعلُه حُطاما ﴾ مفتتا ﴿ إنَّ فى ذلك لذِكْرى ﴾ تذكرة أو تذكير بهوان الدنيا ﴿ لأولى الألباب ﴾ فلا يغترون بالدنيا ، ولا يستنكرون إجراء الأنهار من تحت الغرق ، ولا يتبادر أن المعنى تذكيرا أو تذكرا بأنه لذلك من صانع حكيم ، وليس كل ما صح معناه تفسير به الآية ، ولو لم يكن دليل عليه ، ولا الآية مسوقة له .

٤٬٠٧٩ / ٦٬٢٣٦