وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِا۟یۤءَ بِٱلنَّبِیِّۦنَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَقُضِیَ بَیۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا یُظۡلَمُونَ٦٩
الرسم الإملائيّ
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
الجزء ٢٤الربع ١٨٦ صفحة ٤٦٦
تفسيرها
}وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴿ بما أقام فيها من العدل، سماه نورا،لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق، كما سمى الظلم ظلمة؛ أو بنور خلق فيها بلا توسط أجسام مضيئة، ولذلك أضافها إلى نفسه، ﴾ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴿الحساب والجزاء،﴾وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴿ للأمم وعليهم، من الملائكة والمؤمين، ﴾وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴿ بين الشاهد والمشهود عليه ﴾بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)﴿ بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، على ما جرى به الوعد. ﴾وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴿جزاءه، ﴾وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70){ فلا يفوته شئ من أفعالهم.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٢٧
قوله : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾ الذي كتبته الملائكة عليهم في دار الدنيا ﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ﴾ أي : الذين بعثوا إليهم والذين أقاموا الحجة عليهم ﴿ وَالشُّهَدَاء ﴾ وهم الملائكة عليهم السلام الحفظة الذين كتبوا عليهم . وهو قوله : ﴿ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [ المطففين : 21 ] يشهدون نسخه في الدنيا ويشهدون على العبد يوم القيامة أنه عمله . وقال في سورة ق : ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ أي الملك الذي يكتب عمله ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ ﴾ أي عندي ، أي : ما كتبت عليه ﴿ عَتِيدٌ ﴾ [ سورة ق : 23 ] أي حاضر . قال : ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ ﴾ أي : بالعدل .
﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .
ذكروا عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون لذلك ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا عسى أن يريحنا من مكاننا هذا ، فينطلقون حتى يأتوا آدم عليه السلام ، فيقولون : أنت أبونا ، قد خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلّمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناك ، ويذكر خطيئاته التي أصابها بدعواته ربَّه بغير علم ، ولكن ايتوا إبراهيم ، خليل الرحمن . فيأتون إبراهيم فيقول : لست هناك ، ويذكر خطيئته التي أصابها بثلاث كذبات : قوله : ﴿ إِنِّي سَقِِيمٌ ﴾ [ الصافات : 89 ] ، وقوله : ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾ [ الأنبياء : 63 ] ، وقوله لامرأته : إن سألوك فقولي : إني أخته ، ولكن ايتوا موسى ، عبداً كلّمه الله تكليماً ، واصطفاه وأعطاه التوراة .
فيقول : ربّ ، عبادك ، وأنت أعلم بهم ، فتوضع موازين القسط ، فيوتى بالنبيين والشهداء ، . ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .
ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الناس ليقومون لرب العالمين حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه . » وقال بعضهم : بلغنا أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة سنة قبل أن يقضي بينهم .
ذكروا أن سلمان الفارسي قال : إن الشمس تدنو من الناس يوم القيامة حتى تكون قاب قوسين ، وتعطى حرّ عشر سنين ، وما على أحد منهم يومئذ مخرجه . أي : مايستره ، وما يُضرّ مؤمن ولا مؤمنة ، وأما الكافر فتطحنهم حتى إن أجوافهم لتقول : عق .
وذكر بعضهم قال ويرشح أحدهم إلى الأرض سبع قيم .
ذكروا عن ابي وائل أو ابن حسس عن حذيفة بن اليمان قال : المؤمنون جلوس على كراسي .
وذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما طول يوم القيامة على المؤمن إلا كرجل دخل في صلاة مكتوبة فأتمها وأحسنها وأجملها . »
فيأتون موسى فيقول : لست هناك ، فيذكر خطيئته التي قتل فيها الرجل ، ولكن ايتوا عيسى ، عبدالله ورسولَه وكلمتَه وروحَه ، فيأتون عيسى فيقول : لست هناكل ولكن ايتوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، عبداً غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فيأتوني ، فأقوم بين يدي ربي ، وأقع ساجداً له . فيدعني ما شاء أن يدعني فيقول : ارفع رأسك ، فأحمد ربي ثلاثاً ، ثم أشفع للمؤمنين والمؤمنات ، فيحمدني أهل السماوات وأهل الأرض ، فذلك قوله : ﴿ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَّحْمُوداً ﴾ [ الإسراء : 79 ] . » فطوبى لمن كان له في شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يومئذ نصيب ، وويل لمن لم يكن له يومئذ في شفاعته حظ ولا نصيب .
ذكروا عن عطاء بن يزيد قال : يجتمع الأنبياء بعضهم إلى بعض فيقولون : طال علينا الحشر ، فهلمّ فلندع ربنا ليريحنا من مكاننا هذا ، فيأتون آدم عليه السلام ، فيذكر من يأتون نبيّاً نبيّاً ، حتى يأتوا عيسى بن مريم فيقول : ما أنا بصاحبها ، إن صاحبها لمحمّد ، فيأتونه فيقولون : أنت عبد الله ورسوله ، ختم بك النبيين ، وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، طال بنا الحشر ، فادع لنا ربك ليريحنا من مكاننا هذا . فيقوم ، فيأتي باب الجنة فيستفتح فيقال : من هذا؟ فيقول : محمد ، فيُفتح له ، فيخِرّ ساجداً ما شاء الله ، فيقال له : ارفع رأسك ، قد قُضِيت حاجتك .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٢٧
﴿ وأشْرَقَت الأرض ﴾ أرض المحشر ، وهى قيل : خبزة بيضاء بدل من هذه الأرض ، وأوسع منها لا من فضة كما قيل ﴿ بنُور ربِّها ﴾ نور يخلقه الله تعالى فيها لا من شىء كقمر وشمس ن وقيل : النور العدل فى حكمه يؤمئذ بالحساب على الاستعارة ، يقولون لمن يعدل : أشرقت الآفاق أو البلد بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك ، قال صلى الله عليه وسلم : « الظلم ظلمات يوم القيامة » فيكون العدل فيه نورا فيه ، ووضع الكتاب والمجىء بالنبيين والشهداء ، والقضاء بالحق تناسب الغدل لا النور الحسى ، إلا أن الحقيقة أولى ، وهى النور الحسى ، أخبنا الله تعالى به لذهاب النيرات كالشمس والقمر .
﴿ وَوُضِع الكتابُ ﴾ أحضر الحساب وشرع ، يقال : وضعت المائدة بمعنى أحضرت ، وسمى الحساب كتابا لأنه من شأنه أن يكتب ، والوضع ترشيح ، وأولى من ذلك أن يحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية ، وقيل : الكتاب صحائف الأعمال ، وأل للجنس ، فكأنه جمع ، ووضعها حضارها بأيدى أصحابها ، وذلك هو المتبادر ، ودونه أن تجعل للاستغراق ، ووجهه دلع أن يتوهم أحد أن صحيفة من الصحف تضيع ، وقيل : اللوح المحفوظ يجاء به ليقابل بالصحائف ، فأل للعهد ﴿ وجىء بالنَّبيين ﴾ ليحضروا الحساب ، ويشهدوا على أممهم ولهم ﴿ والشُّهداء ﴾ شهداء كل أمة مع نبيها ، وفى ذلك فضل الشهداء إذ قرنوا بالأنبياء ، وذلك ليشهدوا على أممهم ولهم .
وقيل : شهداء هذه الأمة ، يشهدون على الأمم كلها ولهم ، والمفرد شهيد ، وهو من قتل فى سبيل الله ، ومن التحق به ، وقال الجمهور : جمع شاهد كقوله تعالى : ﴿ ولا يأب الشهداء ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ وقوله تعالى : ﴿ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ﴾ ﴿ إذ لم يأتوا بالشهداء ﴾ وهم مؤمنو هذه الأمة كمال قال الله عز وجل : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وقيل : عدول كل أمة يشهدون عليه ، وقيل : كل من يشهد يوم القيامة من الملائكة والأنبياء ، ومؤمنو هذه الأمة ، والجوارح كما قال الله عز وجل : ﴿ يوم تشهد عيهم ألسنتهم ﴾ الخ ، والمكان يشهد بالمعصية على العاصى فيه .
ويقال : يجاء باللوح المحفوظ يرتعد على أنه حيوان أو جبهة ملك أو جماد يخلق الله تعالى فيه العقل فيقال : هل بلغت اسرافيك؟ فيقول : نعم يا رب بلغت ، ويقال لاسرافيل مرتعداً : هل بلغك اللوح؟ فيقول : نعم يا رب ، فيسكن اللوح ، ويقال لإسرافيل : هل بلغت جبريل؟ فيقول : نعم ، فيقال لجبريل مرتعدا : هل بلغت؟ فيقول : نعم يا رب ، فيقال للمرسلين : هل بلغكم جبريل؟ فيقولون : نعم ، فيسكن جبريل ، ويقال للمرسلين مرتعدين : هل بلغتم؟ فيقولون : نعم ، ويقال للأمم : هل بلغكم الرسل؟ فتقول : كفرتهم ما جاءنا من بشير ولا نذير ، فيشتد الأمر فيقال لهم : من يشهد لكم فيقولون : محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته ، فيشهدون لهم فيسكنون ، وتقول الأمم : من أين علمتم ، وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون : من كتاب أنزله الله علينا ، ذكر سبحانه فيه أن الرسل بلغوا أممهم ، ويزكيهم النبى صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله تعالى :
﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ إلخ .
﴿ وقُضِىَ ﴾ قضى الله ﴿ بينَهُم ﴾ بين العباد المفهومين من الكتاب بمعنى الحساب ، أو الصحائف أو اللوح المحفوظ ، اذ فه الأعمال ، ومن قوله : ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ بالعدل ﴿ وهُم لا يُظْلمُون ﴾ بزيادة عقاب على ذنب لم يفعلوه ، أو نسبة ذنب اليهم لم يفعلوه ، أو بعقاب لم يستحقوه لعدم الذنوب ، لأنها موجودة ، أو بأن الذنب لا يستحق العقاب فانه يستحقه ، أو بنقص ثواب .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٢٧