وَإِذَا كُنتَ فِیهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَاۤئِفَةࣱ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوۤا۟ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلۡیَكُونُوا۟ مِن وَرَاۤئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَاۤئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ یُصَلُّوا۟ فَلۡیُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلۡیَأۡخُذُوا۟ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَیَمِیلُونَ عَلَیۡكُم مَّیۡلَةࣰ وَٰحِدَةࣰۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذࣰى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰۤ أَن تَضَعُوۤا۟ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِینَ عَذَابࣰا مُّهِینࣰا١٠٢
الرسم الإملائيّ
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
الجزء ٥الربع ٣٨ صفحة ٩٥
تفسيرها
﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾ فاجعلهم طائفتين ، فلتقم أحدهما معك ، فصل بهم ، وتقوم طائفة تجاه العدو ، ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ ﴾ أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ركعة ، فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو ، ﴿ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ﴾ أي : تمنوا أن ينالوا منكم في صلاتكم ، فليميلوا عليكم ميلة واحدة ، وهكذا أعداء الباطن مترصدون للغفلة من الإنسان . ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ كما قال : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيٍّ إلاَّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) . ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ والجناح : الإثم ، وجنحت : إذا عدلت عن القصد ، ﴿ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ قد أمر الله نبيه والمؤمنين بالصلاة جماعة في وقت القتال ، تنبيها على عظم فضلها ، وأن لا يُترك إلاَّ مع عدمها ، ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقُل عليهم حملها ، بسبب ما يؤذيهم من مطر ، أو يضعفهم من مرض ، وأمرهم مع ذلك أن يأخذوا الحذر لئلاَّ يغفلوا ، فيهجم عليهم العدو . ﴿ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم . إن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم ن وإنما هو تعبد من الله تعالى .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٩٥
قال : ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ أي يضعون أسلحتهم وهم حذرون ﴿ إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ . أي من الهوان . وقد فسّرنا صلاة الخوف في سنن الصلاة .
وتفسير مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بعُسفان والمشركون بضَجْنَان فتواقفوا ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر أربعاً ، ركوعهم وسجودهم وقيامهم وقعودهم جميعاً؛ فهمَّ به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم ، فأنزل الله عليه : ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ ﴾ . . . . إلى آخر الآية . فصلّى رسول الله العصر؛ فصفَّ أصحابه خلفه صفين ، ثم كبَّر بهم وكبَّروا جميعاً؛ فسجد الأوّلون بسجود النبي ، والآخرون قيام؛ ثم سجد الآخرون حين قام النبي والصفّ الأول ، ثم كبّر بهم وكبّروا جميعاً . فتقدم الصف الآخر وتأخر الصفّ الأول ، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة ، فقصرت العصر إلى ركعتين .
ذكروا أن أبا موسى الأشعري صلّى بأصحابه صلاة الخوف بالدير من أصبهان ، وما بهم يومئذ كثير خوف ، إلا أنه أراد أن يعلمهم دينهم؛ فجعل طائفة وراءه وطائفة مقبلة على عدوهم معهم السلاح؛ فصلى بالذين معه ركعة ، ثم تأخروا على أعقابهم حتى قاموا مقام أصحابهم . وجاء الآخرون يتخللونهم حتى قاموا مقام أصحابهم ، فصلى بهم ركعة أخرى ، ثم قاموا فصلوا ركعة ، ثم سلم كل إنسان منهم على يمينه وعلى يساره .
ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول في صلاة الخوف : يكونون فرقتين : فرقة تصلي مع الإِمام ، وطائفة تحرسهم؛ فيصلي بالذين يلونه ركعة ، ثم يتأخرون على أعقابهم ، فيقومون في مصاف إخوانهم ، ويتقدم الآخرون ، فيصلي به ركعة أخرى ثم يسلم؛ ثم يصلي كل إنسان منهم ركعة .
ذكروا عن إبراهيم قال : يكونون طائفتين : طائفة خلفه وطائفة قبالة العدوّ؛ فيصلي بالذين خلفه ركعة ، ثم يتأخرون حتى يقوموا في مقام أصحابهم ، ويجيء الآخرون حتى يقوموا في مقام خلف الإِمام ، فيصلي بهم ركعة ، ثم يسلم . ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم ، ويجيء أصحابهم فيصلون ركعة ، ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم ، ويجيء الآخرون إلى مقام أصحابهم فيصلون ركعة ثم يسلمون .
ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف فصفّهم خلفه ، ثم كبر فكبروا جميعاً ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعاً ، ثم سجد فسجد الذين يلونه والآخرون قيام .
فلما رفعوا رؤوسهم من السجود سجدوا . قال بعضهم : كان العدو فيما بين أيديهم وفيما بينهم وبين القبلة .
وقال بعضهم : عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بهم صلاة الخوف فقامت طائفة وراءه ، وطائفة خلفه مقبلة على العدو . فصلّى بالذين خلفه ركعتين ، ثم تأخروا ، وجاء آخرون فصلّى بهم ركعتين ثم سلّم؛ فتمت للنبي أربع ركعات ، وللناس ركعتان . قال بعضهم : نرى أنه إنما كان هذا قبل أن تقصر الصلاة .
قال بعضهم : إذا هجم العدو على قوم في مدينتهم صلّوا هكذا لا يقصرون الصلاة ، ثم يقضون ركعتين ركعتين ، ويكون قضاؤهم : أنَّ الذين صلى بهم آخراً يتأخرون حتى يقوموا في مقام أصحابهم ، ثم يجيء أصحابهم إلى مكانهم فيقضون ركعتين ، ثم يسلّمون ، ثم يتأخرون إلى مقام أصحابهم ، ثم يجي أصحابهم إلى أماكنهم فيقضون ركعتين ثم يسلمون .
أما صلاة المغرب في الخوف فقال بعضهم : يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ، ثم يتأخرون ويتقدم الآخرون فيصلّي بهم ركعة ثم يسلّم . ثم يتأخرون إلى مقام أصحابهم ، ثم يجيء أصحابهم فيصلون الركعة التي بقيت عليهم ، ثم يرجعون إلى مقام أصحابهم ، ويتقدم الآخرون ، ويصلون ركعتين ثم يسلّمون .
ذكروا عن ابن عباس أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بين مكة والمدينة ركعتين لا يخاف إلا الله .
ذكروا عن حارثة بن وهب الخزاعي أنه قال : صليت مع رسول الله بمنى ركعتين ، أكثر ما كان الناس وآمنهم .
ذكروا أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إني رجل تاجر اتّجر إلى البحرين ، فكيف تأمرني بالصلاة؟ قال : صلّ ركعتين .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٩٥
﴿ وَإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ ﴾ أثبتها لهم ، وقمت إليها وأردتها علم الله جل وعلا رسوله صلاة الخوف ، ليقتدى به الأئمة فى عصره ، وبعده ، فإنهم نواب عنه صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة؛ فإنه لغيره ، كما أنه له ، والخطاب للقرآن له صلى الله عليه وسلم ، أو لغيره ، أو لهما ، فليس كما قال أبو يوسف ، والحسن ابن زيادة وإسماعيل بن علية من تخصيص صلاة الخوف به صلى الله عليه وسلم ، روى ابن عباس وجابر بن عبد الله أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جيمعاً حتى فرغوا ، فندموا على أن لم يكبوا عليهم ، فقال بعضهم : لهم صلاة أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، يعنى صلاة العصر ، فإذا اشتغلوا بها فاقتلوهم ، فنزل بين الظهر والعصر هذه الآيات الثلاث ، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴿ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمُ مَّعَكَ ﴾ يصلون ركعة والأخرة تواجه العدو ﴿ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ يعنى الطائفة القائمة معك فى الصلاة ، أمرهم أن يكون معهم سلاحهم فى الصلاة للحزم والحذر ﴿ فَإِذَا سَجَدُوا ﴾ أى هذه الطائفة المصلية معك ، وكذا قبل السجود ، إلا أنه خص السجود بالذكر ، لأنهم فى السجود أشد غِرة ، ولأنهم حال القيام قد يظن المشركون أنهم قاموا للقتال ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ ﴾ أى الطائفة الأخرى ، لأنه لم يبق إلا هى ، إذ الأولى هى معه ، وهى المخاطبة معه صلى الله عليه وسلم ، فى قوله : من ورائكم ويجوز أن يراد بقوله : وليأخذوا أسلحتهم هذه الطائفة الأخرى ، التى ليست فى الصلاة يأخذون أسلحتهم ، وعلى كل يحرسون النبى صلى الله عليه وسلم حال الصلاة ، والخطاب فى من ورائكم للنبى وللطائفة التى معه فى الصلاة ، أو له صلى الله عليه وسلم بمقتضى الأصل ، ولغيره معه تغليب للمخاطب على الغياب ﴿ وَلْيَأْتِ ﴾ بعد أن تسجد الأولى ، وتذهب إلى العدو بلا تسليم ، ويثبت صلى الله عليه وسلم قائما ﴿ طَآئِفَةٌ أُخْرَى ﴾ نكرها لأنها لم تذكر قبل ﴿ لَمْ يُصلُّوا ﴾ وهى الحارسة لهم من ورائهم ﴿ فًلْيُصُّلُوا مَعَكَ ﴾ الركعة الثانية ، تلك ركعتان ولكل طائفة ركعة ، ولا تحية للأولى ، فيسلم ، فيسلمون جميعا ، الثانية والأولى المواجهة للعدو ، وروى ابن أبى حاتم وابن شيبة وابن جرير أن صلاة الخوف ركعة ، صلى صلى الله عليه وسلم ركعة بطائفة ، ثم بأخرى ركعة ، وإنما القصر واحدة عند القتال ، فصلاة الحضر أربع والسفر ركعتان ، والخوف ركعة ، وروى أنه صلى بطائفة ركعة ، فثبت قائما وصلوا ركعة ، ثم ذهبوا وجات الأخرة ، فصلى بهم ركعة وثبت قاعدا ، وصلوا ركعة فسلم وسلم الكل ، وكلتاهما قرأت التحيات ، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع ، وعليه الشافعى ، وروى البخارى ومسلم أنه صلى فى بطن نخل ركعتين بطائفة ، فذهبت ، فجاءت أحرى ، فصلى بها ركعتين ، فله أربع ، ونخل موضع من نجد من غطفان بينه وبين المدينة يومان ، وعن ابن مسعود صلى رسول الله عليه وسلم بطائفة ركعة وبأخرى ركعة ، وذهبت وجاءت الأولى ، وقضت ركعة بلا قراء وسلمت ، وذهبت جاءت وقضوا الأولى بقراءة ، وعليه أبو حنيفة ، وسقط عن الأولى القراءة فى الثانية بعد سلامة صلى الله عليه وسلم لأنهم فى مقابلة العدو عنه ﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحتهُمْ ﴾ أمر للطائفة احارسة بأن تصحب معها سلاحها فى الصلاة إذا جاءت تصلة ، وذكر هنا الحذر والسلاح معاً لأن المشركين قلما ينتبهون للمسلمين أول الصلاة ، بل يظنوهم قائمين للقتال فإذا قاموا الركعة الثانية تنبهوا أنهم فى الصلاة ، فيفرصون شبه الحذر ، وهم بمعنى يحسم يتناول ، فأطلق عليه الأخذ على الاستعارة بالكناية ، وفيه المشاكلة ، أو ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، أو ذلك من عموم المجاز ، أو معناه تستعمل الحذر وأشار إلى علة أخذ الحذر والسلاح بقوله ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفلُوُنَ ﴾ لو مصدرية أى ودوا غفلتكم فى صلاتكم ﴿ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ﴾ ما تتمتعون به فى أسفاركم أيها الطائعتان المسلمتان ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يشدون عليكم ﴿ مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ شدة واحدة ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتِكُمْ ﴾ لا إثم عليكم فى وضعها عند المطر أو المرض إن تأذيتم بحملها عند أحدهما ، وإلا فاحملوها ، ولا تضروا بها أحداً او لا تشعلكم عن الصلاة ، فإن شغلكم حملها من الصلاة وخفتم العدو فاحملوها وحافظوا على الصلاة ، ورجح البخارة ومسلم أن حملها سنة إذا لم يكن اأذى ، وقيل يجب ، بل يستحب ، وللشافعى قولان ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ فى البخارى نزلت فى عبد الرحمن بن عوف ، وكان جريحاً من العدو ، أى خذوا حذركم من العدو مع ذلك ما استطعتم حتى تغلبوهم أو تنجو منهم كما علله بقوله ﴿ إنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ هو أن يكونوا مغلوبين بخذلان الله عز وجل إياهم ونصره لكم ، فباشروا الأسباب ليكون ذلك على أيديكم ، ولا تغفلوا عن إهلاكهم والنجاة منهم ، وذلك وعد بالنصر مع إيجاب تعاطى الأسباب ، فالجملة علة لأخذ الحذر ، أو مستأنفة لدفع توهم غلبة العدو ، وقال ابن عباس : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى محارب وبنى أنمار فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأخذوا أموالهم وذرايهم ، ولا يرون أحداً من العدو ، فوضعوا أسلحتهم ، فقطع الوادى صلى الله عليه وسلم لحاجة الإنسان ، والسماء ترش فسال الوادى ، فحال بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم ، فجلس تحت شجرة ، فانحدر إليه غورث بن الحارث من الجبل قائلا : قتلنى الله إن لم أقتله ، ولم يشعر به صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه بسيف مسلول ، فقال : يا محمد ، من يمينك منى الآن؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الله ، ثم قال : اللهم اكفنى عورث بن الحارث بما شئت ، فأهوى ليضربه به ، فأكب على وجهه نم زلخة زلخها ، فبدر السيف من يده ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف ، وقال : يا غورث من يمنعك منى الآن؟ فقال : لا أحد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقال : لا ، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك أحداً ، فأعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه ، فقال غورث : أنت خير منى ، فقال صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بذلك منك ، والسيف لغورث جاء به ، وقيل إنه سيفه صلى الله عليه وسلم سله غورث فى تلك الغفلة ، وأنه لم يعطه بعد ، ورجع إلى أصحابه ، فقالوا : ويلك ما منعك من قتله ، فذكر لهم القصة ، والزلخة الدفعة ، وندر سقط .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٩٥