تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النساء

الجزء النساء · صفحة ٠
[سورة النساء — آية 102]

﴿ وَإذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ ﴾ أثبتها لهم ، وقمت إليها وأردتها علم الله جل وعلا رسوله صلاة الخوف ، ليقتدى به الأئمة فى عصره ، وبعده ، فإنهم نواب عنه صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة؛ فإنه لغيره ، كما أنه له ، والخطاب للقرآن له صلى الله عليه وسلم ، أو لغيره ، أو لهما ، فليس كما قال أبو يوسف ، والحسن ابن زيادة وإسماعيل بن علية من تخصيص صلاة الخوف به صلى الله عليه وسلم ، روى ابن عباس وجابر بن عبد الله أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يصلون جيمعاً حتى فرغوا ، فندموا على أن لم يكبوا عليهم ، فقال بعضهم : لهم صلاة أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم ، يعنى صلاة العصر ، فإذا اشتغلوا بها فاقتلوهم ، فنزل بين الظهر والعصر هذه الآيات الثلاث ، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴿ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمُ مَّعَكَ ﴾ يصلون ركعة والأخرة تواجه العدو ﴿ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ يعنى الطائفة القائمة معك فى الصلاة ، أمرهم أن يكون معهم سلاحهم فى الصلاة للحزم والحذر ﴿ فَإِذَا سَجَدُوا ﴾ أى هذه الطائفة المصلية معك ، وكذا قبل السجود ، إلا أنه خص السجود بالذكر ، لأنهم فى السجود أشد غِرة ، ولأنهم حال القيام قد يظن المشركون أنهم قاموا للقتال ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ ﴾ أى الطائفة الأخرى ، لأنه لم يبق إلا هى ، إذ الأولى هى معه ، وهى المخاطبة معه صلى الله عليه وسلم ، فى قوله : من ورائكم ويجوز أن يراد بقوله : وليأخذوا أسلحتهم هذه الطائفة الأخرى ، التى ليست فى الصلاة يأخذون أسلحتهم ، وعلى كل يحرسون النبى صلى الله عليه وسلم حال الصلاة ، والخطاب فى من ورائكم للنبى وللطائفة التى معه فى الصلاة ، أو له صلى الله عليه وسلم بمقتضى الأصل ، ولغيره معه تغليب للمخاطب على الغياب ﴿ وَلْيَأْتِ ﴾ بعد أن تسجد الأولى ، وتذهب إلى العدو بلا تسليم ، ويثبت صلى الله عليه وسلم قائما ﴿ طَآئِفَةٌ أُخْرَى ﴾ نكرها لأنها لم تذكر قبل ﴿ لَمْ يُصلُّوا ﴾ وهى الحارسة لهم من ورائهم ﴿ فًلْيُصُّلُوا مَعَكَ ﴾ الركعة الثانية ، تلك ركعتان ولكل طائفة ركعة ، ولا تحية للأولى ، فيسلم ، فيسلمون جميعا ، الثانية والأولى المواجهة للعدو ، وروى ابن أبى حاتم وابن شيبة وابن جرير أن صلاة الخوف ركعة ، صلى صلى الله عليه وسلم ركعة بطائفة ، ثم بأخرى ركعة ، وإنما القصر واحدة عند القتال ، فصلاة الحضر أربع والسفر ركعتان ، والخوف ركعة ، وروى أنه صلى بطائفة ركعة ، فثبت قائما وصلوا ركعة ، ثم ذهبوا وجات الأخرة ، فصلى بهم ركعة وثبت قاعدا ، وصلوا ركعة فسلم وسلم الكل ، وكلتاهما قرأت التحيات ، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع ، وعليه الشافعى ، وروى البخارى ومسلم أنه صلى فى بطن نخل ركعتين بطائفة ، فذهبت ، فجاءت أحرى ، فصلى بها ركعتين ، فله أربع ، ونخل موضع من نجد من غطفان بينه وبين المدينة يومان ، وعن ابن مسعود صلى رسول الله عليه وسلم بطائفة ركعة وبأخرى ركعة ، وذهبت وجاءت الأولى ، وقضت ركعة بلا قراء وسلمت ، وذهبت جاءت وقضوا الأولى بقراءة ، وعليه أبو حنيفة ، وسقط عن الأولى القراءة فى الثانية بعد سلامة صلى الله عليه وسلم لأنهم فى مقابلة العدو عنه ﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحتهُمْ ﴾ أمر للطائفة احارسة بأن تصحب معها سلاحها فى الصلاة إذا جاءت تصلة ، وذكر هنا الحذر والسلاح معاً لأن المشركين قلما ينتبهون للمسلمين أول الصلاة ، بل يظنوهم قائمين للقتال فإذا قاموا الركعة الثانية تنبهوا أنهم فى الصلاة ، فيفرصون شبه الحذر ، وهم بمعنى يحسم يتناول ، فأطلق عليه الأخذ على الاستعارة بالكناية ، وفيه المشاكلة ، أو ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، أو ذلك من عموم المجاز ، أو معناه تستعمل الحذر وأشار إلى علة أخذ الحذر والسلاح بقوله ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفلُوُنَ ﴾ لو مصدرية أى ودوا غفلتكم فى صلاتكم ﴿ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ﴾ ما تتمتعون به فى أسفاركم أيها الطائعتان المسلمتان ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يشدون عليكم ﴿ مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ شدة واحدة ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتِكُمْ ﴾ لا إثم عليكم فى وضعها عند المطر أو المرض إن تأذيتم بحملها عند أحدهما ، وإلا فاحملوها ، ولا تضروا بها أحداً او لا تشعلكم عن الصلاة ، فإن شغلكم حملها من الصلاة وخفتم العدو فاحملوها وحافظوا على الصلاة ، ورجح البخارة ومسلم أن حملها سنة إذا لم يكن اأذى ، وقيل يجب ، بل يستحب ، وللشافعى قولان ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ فى البخارى نزلت فى عبد الرحمن بن عوف ، وكان جريحاً من العدو ، أى خذوا حذركم من العدو مع ذلك ما استطعتم حتى تغلبوهم أو تنجو منهم كما علله بقوله ﴿ إنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ هو أن يكونوا مغلوبين بخذلان الله عز وجل إياهم ونصره لكم ، فباشروا الأسباب ليكون ذلك على أيديكم ، ولا تغفلوا عن إهلاكهم والنجاة منهم ، وذلك وعد بالنصر مع إيجاب تعاطى الأسباب ، فالجملة علة لأخذ الحذر ، أو مستأنفة لدفع توهم غلبة العدو ، وقال ابن عباس : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى محارب وبنى أنمار فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وأخذوا أموالهم وذرايهم ، ولا يرون أحداً من العدو ، فوضعوا أسلحتهم ، فقطع الوادى صلى الله عليه وسلم لحاجة الإنسان ، والسماء ترش فسال الوادى ، فحال بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم ، فجلس تحت شجرة ، فانحدر إليه غورث بن الحارث من الجبل قائلا : قتلنى الله إن لم أقتله ، ولم يشعر به صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه بسيف مسلول ، فقال : يا محمد ، من يمينك منى الآن؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الله ، ثم قال : اللهم اكفنى عورث بن الحارث بما شئت ، فأهوى ليضربه به ، فأكب على وجهه نم زلخة زلخها ، فبدر السيف من يده ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ السيف ، وقال : يا غورث من يمنعك منى الآن؟ فقال : لا أحد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقال : لا ، ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك أحداً ، فأعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه ، فقال غورث : أنت خير منى ، فقال صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بذلك منك ، والسيف لغورث جاء به ، وقيل إنه سيفه صلى الله عليه وسلم سله غورث فى تلك الغفلة ، وأنه لم يعطه بعد ، ورجع إلى أصحابه ، فقالوا : ويلك ما منعك من قتله ، فذكر لهم القصة ، والزلخة الدفعة ، وندر سقط .

٥٩٥ / ٦٬٢٣٦