سورة النساء · الآية ١١٣ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّاۤئِفَةࣱ مِّنۡهُمۡ أَن یُضِلُّوكَ وَمَا یُضِلُّونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا یَضُرُّونَكَ مِن شَیۡءࣲۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَیۡكَ عَظِیمࣰا١١٣
الرسم الإملائيّ

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا

الجزء ٥الربع ٣٨ صفحة ٩٦

تفسيرها

[سورة النساء — آية 113]

﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ أي : عصمته ولطفه من الاطلاع على شرِّهم ، ﴿ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ عن القضاء بالحق ، وتوخي طريق العدل ، ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ﴾ أي : لا يملكون من ضرك شيئا لم يرده الله فيك . ﴿ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ من أمور الدين والشرائع ، أو خفيات الأمور ، وضمائر القلوب . ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ فيما علمك وأنعم عليك .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٠٦

[سورة النساء — آية 113]

ثم أقبل على قوم الأنصاري فقال : ﴿ هَا أَنتُمْ هَؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ أي حافظاً لأعمالهم في تفسير الحسن . قال الحسن : ثم استتابه الله فقال :

﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

قال : ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾ يعني اليهودي أنه منها بريء ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً ﴾ والبهتان الكذب ﴿ وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ أي بيّناً .

قال الحسن : ثم أقبل على النبي وقال : ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ ﴾ فيما أرادوا من النبي أن يعذر صاحبهم ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ .

ثم قال : ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ . قال الحسن : فلما أنزل الله في الأنصاري ما نزل [ استحيى أن يقيم بين المسلمين ] فلحق بالمشركين فأنزل الله .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٠٦

[سورة النساء — آية 113]

﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ ﴾ يا محمد ﴿ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بإعلامه إياك بالوحى بما همَّ به طعمه ، وقومه ، من تبرئة طعمه الخائن ، أو بنوا أبيرق وبهت اليهودى ، وهذا الإعلام فضل ، من حيث إنه زيادة على إنزال الحلال والحرام ، إذ لم يبقك على ما يجوز لك من العمل بالظاهر ، كما تعبد بالعمل به ، ورحمة من حيث إنه إنعام عليك بالبيان أو فضله بالنبوءة ، ورحمته بالعصمة ، أو فضله بالنبوة ورحمته بالوحى أو فضله بالحفظ ورحمته بالحرس ﴿ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ﴾ من للبيان ، أى طائفة ، هى هؤلاء المختانون المجادلون ، قوم طعمه ، أو المجادلون عن بنى أبيرق ، المجموع لا الجميع ، أو الجميع ، بأن رضى من لم يبيت منهم ، وصوب فعلهم ، ولم أجعلها للتبعيض بعود الضمير فى منهم لقوله ، الذين يختانون ، لأن من اتصف بالاختيار كلهم هموا ، اللهم إلا أن يرد الهاء إلى قومه ، كلهم ، على أنهم له يهموا كلهمم ، بل طائفة فقط ، ولو لم يجر لهم ذكر لصحة المعنة أو بعود الهاء إلى الناس كذلك ، وقيل المراد المنافقون ، إذ هموا أن يقتلوه صلى الله عليه وسلم ﴿ أن يُضِلُّوكَ ﴾ أى بأن يضلوك عن القضاة بما فى نفس الأمر ، من أن السارق هو طعمة أو بنو أبيرق إلى الحكم بحسب الظاهر ، وهو أنه اليهودى؛ فهذا الإضلال بمعنى مطلق الإرذهاب عن الشىء ، لا الإيقاع فى الحرام لأنه صلى الله عليه وسلم لو حكم بالظاهر دون نزول الوحى لم يأثم ، وجواب لولا ينفى لثبوت ، شرطها ، وهمهم بالإضلال ثابت غير منتف هنا لأنهم هموا ، فيجاب ، بأن المعنى لأثر فيك همهم ، فاستعمل لفظ السبب فى معنى السبب ، قيل : أو لهمت طائفة من الناس أن يضلوك عن دينك مطلقا ، لا فى خصوص مسألة طعمة وفيه أن هذا الهم واقع فى مكة ، وفى المدينة أو الجواب لأضلوك محذوفا ، ولهمت جواب قسم ، أى والله لهمت ، وفيه أنه لا يقع جواب القسم ماضيا متصرفا مجرداً عن قد إلا قليلا ، ودعوى تقدير قد تكلف ، وقد قيل : أراد قوم مبايعته على أن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم ، فلم يقبل منهم ، لأن ذلك بقاء على شائبة كفر ، وقوم شرطوا أن يتمتعوا بالأصنام سنة ولم يقبل منهم ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ ﴾ الإضلال المهلك ، أو مايضرون ، لأن الإضلال سبب للإهلاك ﴿ إلآَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ لأن وبال الإضلال عليهم ، وما أثروا فيك ، وأما إذهابه عن القضاء بما فى نفس الأمر لو أذهبوه عنه فليس بضار له ، لأنا تعبدناه بالظاهر ﴿ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ ﴾ أى شيئاً ، أى ضراء ، ولو قضيت بما أحبوا من الحكم على اليهودى ، لأنه هو الظاهر ، ولا ميل لك عن الحق ، ولا أكلفك الغيب ، فكيف وقد أخبرك الله بالغيب وجريت عليه ﴿ وَأَنزلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ ﴾ القرآن ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ سائر الوحى والآداب ، ومن الإنزال إنزال الهم على قلبه ، أو الكتاب ، والحكمة القرآن لأنه مكتوب وحكمة ﴿ وَعلْمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ من الغيب ، مما سيكون ، أو كان فى الحال ، أو فى الأمم السابقة ، وما فى الصدور فصرت معجزاً به كما أعجزتهم بالقرآن ، ومن الخير والشر ومن أمر الدين وهو غير القرآن ألفاظ ، أو الحكمة معانى القرأن ، وما لم يعلم هو الغيب ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ هو رسالة عامة تامة خاتمة لا تعقبها نبوءة ولا كتاب ، والشفاعة العظمى .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٠٦