سورة النساء · الآية ١١٩ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّیَنَّهُمۡ وَلَءَامُرَنَّهُمۡ فَلَیُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمۡ فَلَیُغَیِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن یَتَّخِذِ ٱلشَّیۡطَٰنَ وَلِیࣰّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانࣰا مُّبِینࣰا١١٩
الرسم الإملائيّ

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا

الجزء ٥الربع ٣٩ صفحة ٩٧

تفسيرها

[سورة النساء — آية 119]

﴿ لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ مقطوعا واجبا لي ، ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ بالدعاء إلى الضلالة ، والتزين والوسوسة ، ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل ، ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة ، من طول الأعمار وبلوغ الآمال ، ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ ﴾ البتك : القطع ، والتبتيك للبكثير والتكرير ، أي : لأحلمنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام ، ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ ﴾ عن وجهة ، صفة أو صورة ؛ ويندرج فيه ما قيل : من فقء عين الحامي وخصى العبيد ، والوشم والوشر واللواط والسحق ، ونحو ذلك ويغير فطرة الله التي هي الجوارح والقوى فيما لا على النفس كمالا ، ولا يوجب إلى لها منه زُلفى . ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ ﴾ وأجاب إلى ما دعاه إليه ، ﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ في الدارين .

افتحه في القارئ · صفحة ٦١٢

[سورة النساء — آية 119]

قوله : ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أي : بأنه لا عذاب عليهم ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَامِ ﴾ وهي البحيرة؛ كانوا يقطعون أطراف آذانها ويحرّمونها على أنفسهم . ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ . قال مجاهد : دين الله ، أي يأمرهم بالشرك .

وقال ابن عباس : هو الإِخصاء . وقال الحسن : هو ما تَشِمُ النساء في أيديها ووجوهها من هذا الوشم . كان نساء أهل الجاهلية يفعلن ذلك .

قال الله : ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ أي بَيِّنًا ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ أي ملجأ .

افتحه في القارئ · صفحة ٦١٢

[سورة النساء — آية 119]

﴿ وَلأَضِلَّهُمْ ﴾ عن الحق إلى الباطل بالوسوسة والتزيين ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « خلق إبليس مزينا ، وليس له من الضلال شىء » ، بمعنى أنه لا يخلق لهم الضلال ، إذ لو كان له شىء من الضلال سوى الدعاء إليه لأضل جميع الخلق ، ومعنى قول أبى نصراء ، أقل من ينجو من الإنس والجن أنه لا ينجو أحد ، فذلك من القلة بمعنى النفى ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أصبرهم متمنين المال والأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية والشهوات وطول العمر ، وأن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ، ونيل الحظ الوافر من فضل الله فى الآخرة إن كان البعث حقا ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ ﴾ بالتتبيك ، أى بالمبالغة فى بنك آذان الأنعام ، أى قطعها ، أو بكل معصية على العموم ، كما يدل له حذف المعمول ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَامِ ﴾ يقطعون أذانها من أصلها ، أو يشقونها حجزا عن استعمالها وأكلها ، وحصرا لها على الأصنام ، وعن أن تمنع من ماء أو مرعى ، وذلك فى ناقة ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر ، وقيل سبعة ، وخصوها باسم البحيرة ، وفى ناقة يقول صاحبها إن شفيت أو إن قدم غائبى ، أو إن وصلت إلى وطنى ، أو إن ولد لى ذكر أو نحو ذلك فهى سائبه ، وقد يسبها من كثر ماله شكراً لله عز وجل ، وإن ماتت السائبة أكلها الرجال والنساء ، وفى شاة ولدت سبعة أبطن آخرها ذكر وأنثى ، وتسمى وصيلة وصلت أخاها عن الذبح ، إذ لو كان وحده لذبح لأصنامهم وأكله الرجال خاصة أو كان أنثى فكسائر الغنم ، وفى جمل ولد ولدُ ولدِه ، وقيل ركب ولدَ ولدِه ، وإن مات أكله الرجال والنساء ، وكل هؤلاء يشأق ذنه علامة ﴿ وَلآمُرَنَهُمْ ﴾ بتغيير خلق الله ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ﴾ بغير الختان كنتف اللحية ، ونتف الشارب ، وقص اللحية وحلقها ، ومنها ما تحت اللحيين ، ويجوز حلق ما فى العنق إلى أن يصل باطن اللحيين ، فكيف والخطاب بالسواد لغير الجهاد ، واللواط وسحاق النساء ، لأنهما تغيير للجماع والحرث ، والجماع باليد أو غيرها كذلك وتخنث الرجال ، وترجل النساء ، والوشم ، وخصاء العبد ، والحيوان ، ونتف شعر الحاجبين ليرق ، أو نتف شعر ما فوق الجبهة ، ووصل الشعر ، ونتف الرجل شعر عانته ، فإن السنة الحلق أو النورة ، ويجوز قصة وترقيق الأسنان ، أو جعل الخلل بينهما فإنه حرام ، وتحمير الوجه ونقطه ، والناصية ، والدلال ، ورخص فى التحمير والنقط ، الوصل ، تزييناً لزوجها لاغشَّا لمريد تزوجها ، ورخص فى الدلال ، والناصية العروس ، وفى خصاء الحيوان إذا دعت الحاجة إليه ، ودخل فى التغيير عبادة الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والحجارة ، وغيرها إذا خلقت لغير ذلك ، وسائر الكفر والمعاصى ، وتضييع المال واستعماله فى المعصية ، واستعمال الجوارح فى المعصية والمكروه ، فإن ذلك تغيير للصفة الموضوع لها الشىء ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :

« كل مولود يولد على الفطرة » . . الحديث ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم ، رواه البهيقى عن ابن عمر ، وأجازه بعض فى الحيوان ، وأجاز ابن سيرين خصاء الفحول ، وكذا الحسن ، وأجازه عطاء إن كانت تعض وساء خلقها ، ومنع النووى خصاء الحيوان الذى لا يؤكل ، وأجاز خصاء ما يؤكل إذا كان ضميراً قصداً لطيب لحمه ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَّاً مِّن دُونِ اللهِ ﴾ بمخالفة ما دعا إليه الله ما دعا إليه الشيطان ، وذكر من دون الله تصريحاً بالواقع كالصفة الكاشفة ، لأن اتباعه مناف أبداً لاتباع أمر الله عز وجل ﴿ فَقدْ خَسِرَ خُسرَاناً مُّبِيناً ﴾ بتضييع ما له فى الجنة من النساء ، والأملاك والخدم ، وأحد ما للمؤمن فى النار من العذاب الدائم متعوضاً فى ذلك النعم الدنيوية القليلة الناقصة الفانية المتنغصة بالهموم والأحزان .

افتحه في القارئ · صفحة ٦١٢