لَّیۡسَ بِأَمَانِیِّكُمۡ وَلَاۤ أَمَانِیِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن یَعۡمَلۡ سُوۤءࣰا یُجۡزَ بِهِۦ وَلَا یَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِیࣰّا وَلَا نَصِیرࣰا١٢٣
الرسم الإملائيّ
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
الجزء ٥الربع ٣٩ صفحة ٩٨
تفسيرها
﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ ليس الأمر على شهواتكم أيها المشركون والمنافقون ، ﴿ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ وقيل : ليس ما وعد الله من الثواب يُنال بأمانيكم أيها المسلمون ، ولا بأماني أهل الكتاب ، وإنما يُنال بالإيمان والعمل الصالح ؛ وقيل : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب ، وصدقه العمل . ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ وهذا وعيد للمفسدين
افتحه في القارئ · صفحة ٦١٦
قوله : ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ﴾ .
قال الحسن : قالت اليهود للمؤمنين : كتابنا قبل كتابكم ، ونبيّنا قبل نبيّكم ، ونحن أهدى منكم . وقال المؤمنون : كذبتم؛ إنا صدّقنا بكتابكم ونبيكم وكذّبتم بكتابنا ونبينا ، وكتابنا القاضي على ما قبله من الكتب؛ فأنزل الله : ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ﴾ .
ذكروا أن أبا بكر الصديق قال : يا رسول الله ، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال له النبي عليه السلام : « أي آية يا أبا بكر؟ قال يقول الله : ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ . قال : يغفر الله لك يا أبا بكر ، ألست تمرض ، ألست تحزن ، ألست تصيبك اللأواء؟ قال : بلى ، قال : فهو ما تجزون به » .
قال مجاهد : هذا في مشركي قريش : قالوا : لن نبعث ولن نعذب .
ذكروا عن أمية أنها سألت عائشة عن قوله تعالى : ﴿ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ [ البقرة : 284 ] ، وعن قوله : ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ فقالت : ما سألني عنها أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا عائشة هذه متابعة الله على العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمّه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه ، حتى أن المؤمن ليخرج من خطاياه كما يخرج التبر الأحمر من الكير » .
افتحه في القارئ · صفحة ٦١٦
﴿ لَيْسَ ﴾ قول الله المعلوم من قوله ، ومن أصدق من الله قيلا أى ليس إدخاله الجنة ، أو ليس العمل الصالح ، أو ليس مضمون قوله وهو الخير الدائم الباقى ، أو ليس وعده ، اى تمضمونه من الحي ، وهو الموعود ، فذلك استخدام ، إذ رجع الضمير إلى الوعد بالمعنى المصدرى ، على معنى الموعود ، أو ليس الموعود الذى تصمنه عامل وعد الله ، أو ليس الثواب أو العقاب ، أى أحدهما ، أو ليس الثواب ، أو ليس الإيمان المدلول عليه وبقوله : آمنوا ، أو ليس المعنى المتجاور فيه ، وهو قول اليهود ديننا وكتابنا أسبق وأفضل لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى مثل ذلك ، وقال المسلمون ديننا دين إبراهيم وإسماعيل وإسحقا ، وتأخر نبينا وكتابنا وأمرتم باتباعهما وترك كتبكم ﴿ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ معتبراً بأمانيكم أو متعلقاً بها ، أو منيلا بها ، والخطاب للمؤمنين ، لأن الكتاب نزل عليهم ، وقيل الخطاب لأهل الشرك ، لأنهم قالوا لا بعث ولا عذاب ، ويؤيده أنه لم يجر ذكر لتمنى المؤمنين ، وقيل للمشركين وأهل الكتاب ، وهو يشد الياء جمع أمنيته بشدها ، وأصله أمنوية كأعجوبة ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت وكسر ما قبلها ، وهى ما يتمنونه من دخول الجنة بالتوحيد بلا تكاليف الجهاد ، أو مع الكبائر بعد التوحيد ، ولو لم ينصحوا التوبة ، ويكون نبيهم وكتابهم أشرف الأنبياء والكتب وخاتميهم وقاضيين عليهم ، وبإيمانهم بالأنبياء كلهم والكتب كلها ، وفى البخارى عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم : « ليس الإيمان بالتمنى ولا بالتخلى » ، ولكن هو ما وتر فى القلب فأما علم القلب فالعلم النافع وعلم اللسان حجة على ابن آدم ﴿ وَلآَ أَمَانِىِّ أَهْلِ الكِتَابِ ﴾ من أنهم لا يلبثون فى النار إلا أياماً معدودة ، وأنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، ومن أن لهم مزية بتقدم كتبهم وأنبيائهم فهم أولى بالله سبحانه ، أو الخطاب للمشركين لتقدم ذكرهم ، إذ تمنوا أن لا بعث ولا حساب ، وإن كانا ، كانوا فى الآخرة أولى من المؤمنين ، وإلا فلا أقل من أن يكون لهم ما للمؤمنين ، وإنما يعتبر وعد الله بما وقر فى القلب وصدقه العمل ، أن قوماً ألهتم أمانى المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله تعالى ، وكذبوا ، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل وقرر ذلك بقوله ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ عاجلا أو آجلا ، اقتصر على السوء لأن المقام للرد على من يزعم أن سوءه لا يضر ﴿ وَلاَ يَجِدْ لهُ ﴾ لنفسه ﴿ مِن دُونِ اللهِ وَلِيَّا وَلاَ نَصِيراً ﴾ يدفع عنه العذاب قبل مجيئه أو بعده ، لما نزلت الآية شقت على المؤمنين ، فقالوا : يا رسول الله ، وأينا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم :
« إن الله وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية عقوبة واحدة فمن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع ، فويل لمن غلب آحاده أعشاره » ، وقال أبو بكر رضى الله عنه : فمن ينجو مع هذا يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « أما تحزن ، أما تمرض ، أما يصيبك اللأواء؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال : هو ذاك » وروى الترمذى أنه أجابه ، أما أنت وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا ، فتلقون الله ولا ذنب عليكم ، وأما الآخرون فيجتمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة ، وعنه صلى الله عليه وسلم وأنه قال حين نزلت وشكوا إليه : « سددوا وقاربوا ، فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها » ، وأجمع العلماء أن المصائب تكفر بها الخطايا ولو قلت مشقتها ، والأكثرون على رفع الدرجات بها ايضا ، وتكتب بها الحسنات وهذا هو الصحيح ، ومن المصائب الهم ، ففى الحديث ، ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها الدرجات ولا تكتب بها الحسنات ، وإنما قال ابن مسعود ، لأنه لم تبلغه أحاديث الدرجات والحسنات ، وأقول تكفر بها الكبائر التى أهملت لكن لم يصر عليها ، وعن عائشة ، يخرج العبد بذلك من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكبر ، وعنه صلى الله عليه وسلم ، « لا يزال الصداع والمليلة ، أى الحمى ، بالمسلم حتى تدعه كالفضة البيضاء » وقال الحسن نزلت فى الكفارة لأنهم يجازون على الصغيرة والكبيرة والمؤمن يجزى بأحسن عمله ثم قرأ قوله تعالى ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ، ويدل القول الحسن أن الله سبحانه عقب الآية بما للمؤمنين إذ قال :
﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ كما هو عادة القرآن من تعقيب ما للكفار بما للمؤمنين وعكسه ، والصحيح أنها نزلت عامة للكفار والمؤمنين ، كما هو قول أبى بكر ، ولاصحابه ، والنقير النقرة فى ظهر النواة ، لا ينقص الله من الثواب الذى استحقه المؤمن مثلها ، فإلى أن لا يزيدها على المعاصى ، لأن رحمته عز وجل أوسع وسبقت غضبه والحسنة بعشر والسيئة بواحدة وهو أرحم الراحمين ، وما ربك بظلام للعبيد ، وما الله يريد ظلماً للعباد ، والظاهر أن المراد بالصالحات الفرائض كما قال ابن عباس ، والمعنى ما وجب عليه من الصالحات ، عمل النفل ، معهما أو لم يعمل ، وإلا فعمل النفل وحده أو مع بعض ما وجب عليه دون بعض لا يدخل به الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ٦١٦