سورة النساء · الآية ١٥ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَٱلَّٰتِی یَأۡتِینَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَاۤئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِنَّ أَرۡبَعَةࣰ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِی ٱلۡبُیُوتِ حَتَّىٰ یَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ یَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِیلࣰا١٥
الرسم الإملائيّ

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا

الجزء ٤الربع ٣٢ صفحة ٨٠

تفسيرها

[سورة النساء — آية 15]

﴿ وَاللاَّتِي ﴾ جمع التي ، ﴿ يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾ بالزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح ﴿ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ﴾ فاحسبوهن ، ﴿ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ قيل : السبيل الحدُّ في حقِّ البكر بالجلد والتغرُّب ، وفي الثِّيب بالرَّجـم .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٠٨

[سورة النساء — آية 15]

قوله : ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ ﴾ يعني الزنا ﴿ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ قيل : هذه الآية نزلت بعد الآية التي بعدها في التأليف .

﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا ﴾ يعني الفاحشة ﴿ مِنكُمْ ﴾ من الرجال ، ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ أي : بالألسنة ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ . ثم نزلت هذه الآية ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ . ثم نزل في سورة النور : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور : 2 ] . وهذا تفسير الحسن .

وقال غيره : ﴿ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ قال : كان هذا بدءَ عقوبة الزنا . كانت المرأة تحبس ، ويؤذيان جميعاً بالقول والشتيمة ، قال : ﴿ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ . فجعل سبيلهن الجلد والرجم : إن كانا محصنين رجماً ، وإن كانا غير محصنين جلد كل واحد منهما مائة جلدة .

قال الحسن : إن جاء الشهود الأربعة جميعاً أقيم بشهادتهم الحد ، وإن جاءوا مفترقين جلد كل إنسان منهم جلد القاذف ثمانين .

ذكر عكرمة عن ابن عباس قال : لا يقام الحد حتى يشهدوا أنهم رأوه يدخل كما يدخل المرود في المكحلة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٠٨

[سورة النساء — آية 15]

﴿ وَالاَّتِى ﴾ بلام واحدة حذفت فى الخط ، بعدها لام ، خروجا عن التكرير فى الخط وتبعتها فى الحذف خطا الألف التى من شأنها أن تكتب حمراء زيادة على خط الإمام ، ولا حذف فى النطق ، بل لو كتب كما ينطق به ، لكان هكذا اللاتى بلام ولام الألف وهو اسم وضع للجماعة ، وقيل جمع التى ، وكذا الكلام فى اللتان واللذان والذين هو اسم وضع لاثنين أو اثنتين أو تثنية وجمع ﴿ يَأْتِيَنَ الفَاحِشَةَ ﴾ الزنى سمى فاحشة لزيادة قبحه ﴿ مِن نِسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا ﴾ اطلبوا ممن ذكرهن بالزنى الشهادة ﴿ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً ﴾ شهادة أربعة ﴿ مِّنكُمْ ﴾ أيها المؤمنون البلغ العقلاء الأحرار ، وقيل جعل شهادة الزنى أربعة ليشهد على الرجل اثنان ، وعلى المرأة اثنان كسائر الحقوق ، أعنى ليكون ذلك حصة فى العدد ، وإلا فالأربعة كلهم شهدوا على الرجل ، وكلهم شهدوا على المرأة ، وربما لا يعرفون المرأة ، بل يعرفون ارجل ، فإنما ذلك مناسبة لا تعليل صحيح ، والواضح أنا جعلت أربعة تغليظاً على ذاكر الزنى عن غيره ، وسترا علىلعباد ، والجملة خبر اللاتى ، ولو كانت أمرا وقدر بعض اقصدوا الللاتى أو تعمدوا اللاتى على الاشتغال ، أو الاستئناف وبعض مما يتلى عليكم حكم اللاتى ﴿ فَإِنْ شَهِدُوا ﴾ أى الأربعة منكم بالزنى ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البُيُوتِ ﴾ منعاً عن الخروج الذى هو سبب الزنى بتعرضهن أو تعريض الرجال له ، فلا يوجد خارجاً إلا من لا تزنى ﴿ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ ﴾ أى يتوفى أزواجهن ﴿ الْمَوتُ ﴾ أى يأخذ الموت أزواجهن كاملة لا يبقى منهن واحدة ، والتوفى الاستيفاء ، وهوالقبض ، شبه الموت بإنسان أو ملك ورمز إليه بالقبض ، فذلك استعارة بالكناية ، أو يقدر مضاف أى حتى يتوفى أزواجهن ملك الموت ، أو ملائكة الموت ، لأن لعزرائيل أعوانا ، وليس التفسير بيميتهن ملك الموت قويا ، وأولى منه جعل ذلك من إسناد ما للفاعل إلى أثر فعله ، وهذا الحبس قبل نزول جلد مائة فى غير المحصنات ، وجلد الأمة خمسين ﴿ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ هو جلد التى لم تحصن ، ورجم الحرة المحصنة ، لمانزل الجلد والرجم ، قال صلى الله عليه وسلم : « هما السبيل ، خذوا عنى ، خذوا عنى » ، وليس ذلك نسخا ، بل غاية ، لأنه ذكر السبيل هما غاية ، وآية الجلد ودلائل الرجم بيان لا نسخ ، وقبل ذلك تحبس بلا طلاق وينفق عيها زوجها ، وترد الصداق لزوجها ، وذلك الحبس للمباعدة عن الرجال ، وكأن الأمور بالتدريج ، وإن قلنا نزل الجلد والرجم فلعلها كان المراد حبس غير المحصنة بعد جلدها وكان السبيل تزوجها بعد عدة الزنى لأنه يغنى عن الزنى ، وقال أبو مسلم : الفاحشة السحاق ، والسبيل التزوج المغنى عنه ، ويبحه بأنه لو كان المراد السحاق لكانت العقوبة منعهن عن مخالطات النساء لا الحبس فى البيوت ، ويجاب بأن المراد حبس بعضهن عن بعض ، ويبحث أيضاً بأن قوله منكم ينافى السحاق ، لأن المتبارد من قوله منكم من الرجال ، ولو احتمل أن المراد منكم معشر من آمن ، وقوى بعضهم إرادة السحاق فى قوله : « والتى يأتين الفاحشة » وإرادة اللواط فى قوله : ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ بانفراد النساء فى آية ، والرجال فى آية ، وبأن لا يخلو القرآن عن حكم اللواط والسحاق وليس ذلك بحجة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٠٨