لَّٰكِنِ ٱللَّهُ یَشۡهَدُ بِمَاۤ أَنزَلَ إِلَیۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ یَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِیدًا١٦٦
الرسم الإملائيّ
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
الجزء ٦الربع ٤٢ صفحة ١٠٤
تفسيرها
ولما نزل ( إنا أوحينا إليك .... ) قالوا : ما نشهد لك بهذا فنزل : ﴿ لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه : إثباته لصحته بإظهار المعجزات ، كما تثبت الدعاوى بالبينات ، إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة ، ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ بعلمه الذي يحتاج إليه الناس ، في معاشهم ومعادهم ، ﴿ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ لك بالنبوة ، وفيه تنبيه على أنهم يؤدون أن يعلموا صحة دعوى النبوءة على وجه يستغني عن النظر والتأمل ، وهذا النوع من خواص الملك ، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الذكر والنظر ؛ فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك وشهدوا بها ﴿ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً ﴾ شاهدا وإن لم يشهدوا غيره .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٥٩
قوله : ﴿ لَّكِنِ الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني القرآن ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ أنه أنزله إليك ﴿ وَكَفَى بِالله شَهِيداً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٥٩
﴿ رُّسُلاً ﴾ نعت رسلا الأول أو الثانى ، ويقدر للآخر مع الاعتراض أو حالا من أحدهما ، ويقدر كذلك للآخر ، أو حال من إحدى الهاءين ، ويقدر للآخر ، وكل من الحال والنعت موطىء ، لأن المقصود وصفه بقوله ﴿ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ لا ذاته ، أو ينصب على المدح ، أو يقدر أرسلنا رسلا مبشرين ومنذرين ، ويجوز أن يكون بدلا لهذا القيد ولا ضعف فى قولك جاز زيدٌ ، زيدُ بنعمرن كما ادعى بعض المحققين ﴿ لِئّلاّ يَكُونَ لِلْنَّاسِ ﴾ متعلق بأرسلنا المقدر ، أو تنازعه مبشرين ومنذرين ﴿ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ ﴾ معذرة ، بأن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك الخ ، وبأن يقولوا ، إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ، وبأن يقولوا ، لولا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴿ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ بعد إرسال الرسل بالكتب من عنده ، والآية دليل على أن حجة الله على عباده الكتب والرسل والعقل ، وهذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة ، وإنما زيد العقل لأنه إنما يكلف العاقل ، ولا نقول بالتقبيح والتحسين العقليين كما قالت المعتزلة : إن العقل يدرك الأمور الشرعية كلها بلا كتاب ولا رسول ، إنما الكتب والرسل للتشبيه ، وأن معنى الآية لم يبق على الله حجة وإن لم يرسل الرسل والكتب فقد نصت الأشعرية على أنه لا حجة عليه أيضاً ، لأن له أن يفعل فى خلقه ما شاء ، والمعتزلة بهذا أولى ، لأن العقل عندهم وحده حجة ، والمذهب أن عليه الحجة بمعن الحق عنده ، والحكمة أن تعذيبهم بلا بيان لهم ظلم ، إلا أنى أقول حجة الله فى توحيده على خلقه أيضا العقل ، فإنه يدرك انفراد الله بالألوهية بعقله لدلائل المخلوقات ، فإذا أدرك الانفراد دعاه ذلك إلى خدمة من أوجده وأنعم عليه ، فيذهب ولو كان فى جزيرة لم يلق أحداً ، إلى من يعلمه كيفية الخدمة ، فيصح بهذا أن صاحب الجزيرة غير معذور ، إن لم يكن على دين نبى من الأنبياء والرسل ، والكتب مبينة ومفصلة لدلائل العقل ، وقومنا يقولون : كل كافر جاءه ملك ، أو من شاء الله عز وجل فدعاه إلى الإسلام فمن ذلك ما رووا عن الحسن البصرى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حجة الله على كسرى فيك؟ قال : « بعث الله عز وجل ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذى هو فيه يتلألأ نوراً ، فلما رآها فزع ، فقال : لم تفزع يا كسرى ، إن لله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم من دنياك وأخراك ، وقال : سأنظر فى ذلك » ، وكما روى ، أنه دعا يأجوج ومأجوج ليلة الإسراء فأبوا ، واللام متعلقة بمنذرين ، فيعمل مبشرين فى الضميرين ، وحذف لأنه فضلة ، أى مبشرين له ، أى لأجله ، أى لانتفاء الحجة على الله لعباده ، ولو علق بمبشرين لذكر الضمير ، مع منذرين ، هكذا ، منذرين له أى لأجله ، أى لانتفاء الحجة على الله ، وعلى الله متعلق بالاستقرار الذى تعلق به اللام ، أو بقوله للناس لنيابته عنه ، أو لا خبر للكون فيتعلقان به ، أو يتعلق به الله ، وعلى الله خبر ، وبد نعت الحجة ، أو متعلق بالكون أو بالخبر أو بنائبه ﴿ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً ﴾ لا يغالب على ما أراد وفى عقاب الكفار ﴿ حَكِيماً ﴾ فى كل ما أراد ، وفى العذاب بعد الإنذار ، قال ابن عباس : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود ، فقال لهم : إنى والله أعلم أنكم لتعلمون أنى رسول الله ، فقالوا : ما نعلم ذلك ، وأنى رؤساء مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، إنا نسأل اليهود عنك وعن صفاتك فى كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونك ، ونزل ، إنا أوحينا إليك كما أوحينا .
. الخ ، قالت اليهود : لا نشهد لك بذلك أبدا حتى ينزل علينا كتاباً ويكون كالتوراة ، فنزل تسلية له واحتجاجاً عنه قوله تعالى :
﴿ لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ ﴾ من النبوة والقرآن ، أى أنهم لا يشهدون بذلك لكن الله يشهد بما أنزل إليك من القرآن الذى أنكروا إنزاله عليك ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ وهو علم كامل بأنك أهل لإنزاله عليك لكمالك ، وأنك مبلغه إلى عباده أو بمصالح العباد معاشاً ومعاً فى إنزاله عليك ، وبأنه لا يغيره شيكان ، والباء للملابسة والعلم باق على المعنى المصدرى ، وبتأليفه المعجز عن المعارضة والإتيان بمثله ، أو أوحينا إليك كما أوحينا إلى من قبلك ، لكن للإيحاء إليك مزية بشهادة الله عز وجل بالتصريح والملائكة بعمومهم ﴿ وَالْمَلاَئِكَةُ ﴾ ملائكة العرش والكرسى ومن دونهم ﴿ يَشْهَدُونَ ﴾ أنك رسول الله بالقرآن أصفاء قلوبهم عن الكدوارت المانعة عن الإدراك ، ولمشاهدتهم نزوله عليه ، ولو استعمل المشركون من اليهود وغيرهم عقولهم لأدركوا ذلك وأخذواه من التوراة والإنجيل ، أو قل للملائكة يشهدون بواسطة حضورهم يوم بدر ظاهرين للناس ، كما وعد لهم بالغلبة ﴿ وَكَفَى ﴾ عن شهادة الخلق ﴿ بِاللهِ شَهِيداً ﴾ لما أقام من الحجج عَلَى نبوتك ورسالتك .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٥٩