یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوۤا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَیۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضࣲ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا٢٩
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
الجزء ٥الربع ٣٣ صفحة ٨٣
تفسيرها
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ بما لم تُتحه الشريعة ، ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ إلاَّ ما صحَّ به [عن] طيبة النفس ؛ والتراضي : رضى المتبايعين . ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين ، لأن المؤمنين كنفس واحدة ، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة ؛ أو لا تتبعوا هواها فتقتلوها ؛ أو لا ترتكبوا ما يوجب القتل ، وكل ذلك يخرج بالحق وللحق وفي الحق . ﴿ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ ولرحمته بكم نبَّهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم لعبادتــه .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٢
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ ﴾ [ يعني بالظلم ] ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس فلا تظلموا » .
قوله : ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾ أي تجارة حلال ليس فيها ربا .
قوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكَمْ رَحِيماً ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضاً ولا يقتل أحدكم نفسه .
ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً في سرية فأصابه كَلْمٌ ، فأصابته عليه جنابة فصلّى ولم يغتسل؛ فعاب عليه ذلك أصحابه . فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فجاء فأخبره ، فأنزل الله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٢
﴿ يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِفّفَ عَنكُمْ ﴾ فى تكليفكم الحنيفة السمحة للسهلة ، ومّن ذلك أنه أباح لكم نكاح الإماء ، ووضع عنكم الإصر والإغلال ، وتسهيل قبول التوبة ما لم يسهل لغيرهم ، والتخفيف من قبيل قولك أدر جيب القميص إذ لم يتقدم النقل بل لغيرهم ﴿ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً ﴾ لا يصبر عن الشهوات ، ولا يغلب هواه ، ولا يتحمل مشاق الطاعات ، ولا عن النساء ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا خير فى النساء ولا صبر عنهن ، يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم ، فأحب أن أكون كريماً مغلوباً ، ولا أحب أن أكون لئيما غالباً » وعن ابن عباس رضى الله عنهما : ثمانى آيات فى سورة النساء هى خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس ، وغربت ، هؤلاء الثلاث ، وإن تجتنوا كبائر ، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ، وإن الله لا يظلم مثقال ذرة ، ومن يعمل سوءاً ، وما يفعل بعذابكم . . . الآيات ، ولما احتاج النكاح إلى المهر والمؤنة قال :
﴿ يآ أيُّهَا الَّيِنَ ءَامَنُوا ﴾ خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بالنهى ، والمشركون أيضاً منهيون ﴿ لاَ تَأْكُلُوآ أَمْوَألَكُم بَيْنَكُمِ بِالبَاطِلِ ﴾ بالوجه الحرام ، برضى أو بغيره كالربا ، وما يؤخذ على الزنى والقمار ، والكهانة والأكل بالدين ، والأكل بمعصية كالأجرة على فعل معصية ، والعقود الفاسدة من نكاح وبيع ، وقضاء المهر والديون والتباعات كالغصب والسرقة والغش والكذب فى البيع ، وفيما يؤخذ به مال والتطفيف ، ودخل بالمعنى أكل الإنسان مال نفسه ليقوى على معصية وصرفه فى معصية ، وكالأكل مطلق الإتلاف بالباطل ، وخصه لأنه المعظم المراد بالذات أو أراد بالأكل مطلق الإتلاف بالباطل أكلا أو غيره ﴿ إِلآ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ ﴾ أى ثابتة عن تراض ﴿ مِّنكُمْ ﴾ أى تراض ثابت منكم ، الاستثناء منقطع ، لأن حصول التجارة ليس مالا ، وحرم تجر بلا تراض ، فإذا عقد بيع ربا كفضة بذهب ، أو فضة بلا حضور ، أو بيع منفسخ لم يجز القهر على تصحيحه ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « تسعة أعشار الرزق فى التجر ، والعشر فى المواشى » ، وعنه صلى الله عليه وسلم ، « أطيب الكسب كسب التجار ، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا كان عليهم لم يماطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا » ، وكالتجارة غيرها من الحلال ، وخصها لأنها الغالب فى المال وأسباب الرزق ، وأوفق بذوى المروءات ، وقد يكون المال صدقة ووصية وهبة وإرثاً وصداقاً وأرشاً وقيل المراد بالتجارة ما يعم ذلك استعمالا للخاص فى العام ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ لا تردوا أنفسكم بقتل وما دونه ، وبالمضرة الأخروية كالإشراك ، فالآية من عموم المجاز ، للخروج عن الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وأيضاً لا يقتل الإنسان نفسه ، ولا نفس غيره من النفس المحرمة بذلك المعنى العام ، فشملت الآية من قتل نفسه .
قال صلى الله عليه وسلم : « من ترى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالداً فيها أبدا » ، وروى أن عمرو بن العاص تيمم وهو جنب فى عزوة ذات السلاسل لشدة البرد وصلى إماماً ولما رجع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : لم فعلت ذلك؟ فقال : وجدت الله يقول : ولا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيما ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئاً ، وكان بعض أهل الهند لا يأكلون أياما كثيرة لرياضة النفس ومخالفة الهوى ، ولا فائدة فى ذلك ، ربما ماتوا ، وكان بعض أهل الهند يقتلون أنفسهم لأصنامهم ، عشقاً لها ومبالغة فى عبادتها ، وشملت الآية ارتكاب ما يوجب القتل كزنى المحصن ، والردة ، وقتل النفس ، فإنه قتل يوجب قتلا قصاصا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « المؤمنون كنفس واحدة » ، كما قال تأكلوا أموالكم ولا تلمزوا أنفسكم ، وكما هو من عموم قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ﴿ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ فى أمره ونهيه إذ أمر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم ونهاكم عن قتل أنفسكم .
افتحه في القارئ · صفحة ٥٢٢