تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النساء

الجزء النساء · صفحة ٠
[سورة النساء — آية 29]

﴿ يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِفّفَ عَنكُمْ ﴾ فى تكليفكم الحنيفة السمحة للسهلة ، ومّن ذلك أنه أباح لكم نكاح الإماء ، ووضع عنكم الإصر والإغلال ، وتسهيل قبول التوبة ما لم يسهل لغيرهم ، والتخفيف من قبيل قولك أدر جيب القميص إذ لم يتقدم النقل بل لغيرهم ﴿ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفاً ﴾ لا يصبر عن الشهوات ، ولا يغلب هواه ، ولا يتحمل مشاق الطاعات ، ولا عن النساء ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا خير فى النساء ولا صبر عنهن ، يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم ، فأحب أن أكون كريماً مغلوباً ، ولا أحب أن أكون لئيما غالباً » وعن ابن عباس رضى الله عنهما : ثمانى آيات فى سورة النساء هى خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس ، وغربت ، هؤلاء الثلاث ، وإن تجتنوا كبائر ، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ، وإن الله لا يظلم مثقال ذرة ، ومن يعمل سوءاً ، وما يفعل بعذابكم . . . الآيات ، ولما احتاج النكاح إلى المهر والمؤنة قال :

﴿ يآ أيُّهَا الَّيِنَ ءَامَنُوا ﴾ خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بالنهى ، والمشركون أيضاً منهيون ﴿ لاَ تَأْكُلُوآ أَمْوَألَكُم بَيْنَكُمِ بِالبَاطِلِ ﴾ بالوجه الحرام ، برضى أو بغيره كالربا ، وما يؤخذ على الزنى والقمار ، والكهانة والأكل بالدين ، والأكل بمعصية كالأجرة على فعل معصية ، والعقود الفاسدة من نكاح وبيع ، وقضاء المهر والديون والتباعات كالغصب والسرقة والغش والكذب فى البيع ، وفيما يؤخذ به مال والتطفيف ، ودخل بالمعنى أكل الإنسان مال نفسه ليقوى على معصية وصرفه فى معصية ، وكالأكل مطلق الإتلاف بالباطل ، وخصه لأنه المعظم المراد بالذات أو أراد بالأكل مطلق الإتلاف بالباطل أكلا أو غيره ﴿ إِلآ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ ﴾ أى ثابتة عن تراض ﴿ مِّنكُمْ ﴾ أى تراض ثابت منكم ، الاستثناء منقطع ، لأن حصول التجارة ليس مالا ، وحرم تجر بلا تراض ، فإذا عقد بيع ربا كفضة بذهب ، أو فضة بلا حضور ، أو بيع منفسخ لم يجز القهر على تصحيحه ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « تسعة أعشار الرزق فى التجر ، والعشر فى المواشى » ، وعنه صلى الله عليه وسلم ، « أطيب الكسب كسب التجار ، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا كان عليهم لم يماطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا » ، وكالتجارة غيرها من الحلال ، وخصها لأنها الغالب فى المال وأسباب الرزق ، وأوفق بذوى المروءات ، وقد يكون المال صدقة ووصية وهبة وإرثاً وصداقاً وأرشاً وقيل المراد بالتجارة ما يعم ذلك استعمالا للخاص فى العام ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾ لا تردوا أنفسكم بقتل وما دونه ، وبالمضرة الأخروية كالإشراك ، فالآية من عموم المجاز ، للخروج عن الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وأيضاً لا يقتل الإنسان نفسه ، ولا نفس غيره من النفس المحرمة بذلك المعنى العام ، فشملت الآية من قتل نفسه .

قال صلى الله عليه وسلم : « من ترى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالداً فيها أبدا » ، وروى أن عمرو بن العاص تيمم وهو جنب فى عزوة ذات السلاسل لشدة البرد وصلى إماماً ولما رجع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : لم فعلت ذلك؟ فقال : وجدت الله يقول : ولا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيما ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئاً ، وكان بعض أهل الهند لا يأكلون أياما كثيرة لرياضة النفس ومخالفة الهوى ، ولا فائدة فى ذلك ، ربما ماتوا ، وكان بعض أهل الهند يقتلون أنفسهم لأصنامهم ، عشقاً لها ومبالغة فى عبادتها ، وشملت الآية ارتكاب ما يوجب القتل كزنى المحصن ، والردة ، وقتل النفس ، فإنه قتل يوجب قتلا قصاصا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : « المؤمنون كنفس واحدة » ، كما قال تأكلوا أموالكم ولا تلمزوا أنفسكم ، وكما هو من عموم قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ﴿ إنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ فى أمره ونهيه إذ أمر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم ونهاكم عن قتل أنفسكم .

٥٢٢ / ٦٬٢٣٦