سورة النساء · الآية ٧٤ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
فَلۡیُقَٰتِلۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یَشۡرُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا بِٱلۡءَاخِرَةِۚ وَمَن یُقَٰتِلۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَیُقۡتَلۡ أَوۡ یَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِیهِ أَجۡرًا عَظِیمࣰا٧٤
الرسم الإملائيّ

فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

الجزء ٥الربع ٣٦ صفحة ٨٩

تفسيرها

[سورة النساء — آية 74]

﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ ﴾ يبيــعون ﴿ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾ والمراد المؤمنون ، الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ، ويستبدلونها بها ، أي : إن صدَّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال ، فليقاتل الثابتون المخلصون ، أو يشترون ؛ والمراد : المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة ، وُعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ، ويخلصوا الإيمان بالله والرسول ، ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده . ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ ﴾ إذا أتى بالأمر على وجهه ﴿أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وعد المقاتل في سبيل – ظافرا أو مظفورا به – إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٦٧

[سورة النساء — آية 74]

قوله : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾ أي : يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة . كقوله : ﴿ إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله ﴾ [ التوبة : 111 ] . ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ . أي : الجنة .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن في الجنة لمائة درجة ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها للمجاهدين في سبيل الله . ولولا أن أشق على أمتى ولا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا بعدي ما قعدت خلف سرية تغزو ، ولوددت لو أقاتل في سبيل الله فأقتل ، ثم أُحيى ثم أقتل ، ثم أُحيى ثم أقتل » .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده ما من نفس تموت لها عند الله خير ويسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها نعيم الدنيا إلا الشهيد ، فإنه يود لو رجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لفضل ما قد رأى وعاين » .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها نعيم الدنيا إلا الشهيد فإنه يود لو رجع إلى الدنيا فيقتل في سبيل الله مرة أخرى لتعظيم الأجر » .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٦٧

[سورة النساء — آية 74]

﴿ فَلْيُقاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ لإعلاء دينه ﴿ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيا ﴾ أخر المبطىء أو أخر غيره ، فليقاتل المخلصون الذين يبيعون الحياة الدنيا ﴿ بِالأَخِرَةِ ﴾ أو قد تأخروا ، أو أخروا غيرهم ، فليتركوا ذلك ويقاتلوا ، ويتركوا شراء الحياة الدنيا بالآخرة ويلتحقون بالمخصين ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ ﴾ شهيدا ، مجزوم العطف والفتح نقل ﴿ أَوْ يَغلِبْ ﴾ عدوه فى الله عز وجل ، فالواجب على المجاهد أن يقصد بجهاده إعلاء الدين ، ويثبت حتى يقتله العدو شهيداً ، أو يغلب عدوه ، ولا يكون غرضه الغنيمة ، ولا أن يكون مقتولا ، وقى القتال إعزاز الدين ، قتل أو غلب ، وفى موته إعزاز نفسه بالشهادة ﴿ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ترغيب فى الجهاد إذ كان فيه الأجر العظيم ، سواء أكان مقتولا أو غالبا وتكذيب لقولهم قد أنعم الله علىَّ إذ لم أكن معهم شهيداً ، وزاد تحريضا بقوله :

﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقأتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ وفيه توبيخ لمن قصر ﴿ وَألْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ وفى تخليص المستضعفين ، كقوله : علفتها تبيناً وماء ، أى وسقيتها ماء ، فالعطف على سبيل ، ولا مانع من ترك التقدير ، لأن القتال سبيل الله ، وسبيل للمستضعفين ، لأن ما هو دين اله دين لهم ، وشأن لهم ، أو سبيلهم تخليصهم من أهل الشرك ، فالعطف على لفظ الجلالة ، والاستفعال فى المستضغفين للعد ، أى المعدودين ضعفاء ، أو للوجود ، أى موجودين ضعفاء ، أو للتعدية ، أى صيرهم المشركين ضعفاء ، وعلى كل حال لا يقدرون على الهجرة ﴿ مِنَ الرِّجَألِ وَالنِسَّآءُ وَالْوَالِدَانِ ﴾ النساء كلهن ضعاف إلا ما شذ ، والولدان كلهم ضعاف ، والرجال بعضهم ضعاف ، فتجعل من البيان على تقدير مضاف ، هو لفظ بعض ، أى وهم بعض الرجال ، وكل النساء والوالدان ، ولك أن تقدر بعضاً مراعاة للعهد الذهنى ، إذ عهدوا أن فى مكة رجالا ضعفاء ونساء وولدانا حبسهم المشركون عن الهجرة وآذوهم ، وضعفوا عن الهجرة لمرض أو ذل ، أو كبر سن أو خوف ، أو جهل طريق ، أو نحو ذلك ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : كنت أنا وأمى من المستضعفين ، أمه من النساء وهو من الولدان ، وهو جمع ولد ، ويجوز أن يراد بالولدان الإماء والعبيد أطفالا أو بلغا ، يقال للعبد والأمة وليد ووليدة ، وغلب العبد فيراد بالرجال والنساء الأحرار ، والحرائر الشاملون للبلغ والصبيان ، والمتبادر أن الولدان الصبيان ، وفى الآية للمشركين إذ كانوا يضربون النساء والضعفاء والصبيان مع ضعفهم وعجزهم عن القتال ، ومع أن الصبيان لا ذنب لهم ، وقد كانوا فى الجاهلية يستقسون بهم وستدفعون البلاء بهم ، وجاءت السنة بالاستسقاء بهم ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا ﴾ ارزقنا خروجاً بوجه ما ﴿ مِنْ هَذَِهِ القَرْيَةِ ﴾ مكة ﴿ الظَّالِمَ أَهْلُهَا ﴾ أنفسهم بالشرك وغيرهم ، بظلمة فى بدنه وماله وحبسه عن الخروج ودعائه إلى الشرك ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيَّأ ﴾ يتولى أمرنا لمجير ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾ يمنعنا من السوء ، فاستجاب الله عز وجل دعاءهم فيسر الله جل وعلا خير ولى وخير نصير ، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو هو عتاب ابن أسيد بفتح فكسر ، فتح مكة ، وولاه عليهم ، أو الناصر الذى أعطاهم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم انتصروا بفتحه ، والولى عتاب ، وعلى كل حال تولاهم سبحانه الخروج لبعض قبل الفتح ، وقيل نصيراً بمعنى حجة ثابتة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٦٧