سورة النساء · الآية ٧٥ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِیرًا٧٥
الرسم الإملائيّ

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا

الجزء ٥الربع ٣٦ صفحة ٩٠

تفسيرها

[سورة النساء — آية 75]

﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ أي : وأي شيء لكم تاركين القتال ، وقد ظهرت دواعيه ، ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ أي : في سبيل الله ، في خلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار و << سبيل الله >> عامٌ في كل خير ، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار ، ومن كل نائبة عضَّتهم ، من أعظم الخير وأخصه ، والمستضعفون : هم الذين أسلموا بمكة ، وصدهم المشركون عن الهجرة ، وعن القيام بأمر دينهم ظاهرا ، فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين ، يلقون منهم الأذى الشديد ، ﴿ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ ﴾ ذكر الولدان ، تنحيلا [كذا] بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، أو لرجاء بقائهم على الإيمان بعد بلوغهم .

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً ﴾ يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا ، ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾ ينصرنا عليهم ؛ كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه ؛ فيسَّر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وبقي بعضهم إلى الفتح ، حتى جعل الله لهم من لدنه خير وليٍّ وناصر ، وهو محمد  فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٦٨

[سورة النساء — آية 75]

قوله : ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ قال الحسن : يعني وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين . ﴿ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ .

قال مجاهد : أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين كانوا بمكة ﴿ الذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ وهم مشركو أهل مكة ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾ أي على أعدائنا في تفسير الحسن .

قال الكلبي : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أسيد أميراً على مكة فاشتد على الظالمين من أهلها ، ولان للمسلمين حتى أنصف الضعيف من الشديد .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٦٨

[سورة النساء — آية 75]

﴿ فَلْيُقاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ لإعلاء دينه ﴿ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيا ﴾ أخر المبطىء أو أخر غيره ، فليقاتل المخلصون الذين يبيعون الحياة الدنيا ﴿ بِالأَخِرَةِ ﴾ أو قد تأخروا ، أو أخروا غيرهم ، فليتركوا ذلك ويقاتلوا ، ويتركوا شراء الحياة الدنيا بالآخرة ويلتحقون بالمخصين ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ ﴾ شهيدا ، مجزوم العطف والفتح نقل ﴿ أَوْ يَغلِبْ ﴾ عدوه فى الله عز وجل ، فالواجب على المجاهد أن يقصد بجهاده إعلاء الدين ، ويثبت حتى يقتله العدو شهيداً ، أو يغلب عدوه ، ولا يكون غرضه الغنيمة ، ولا أن يكون مقتولا ، وقى القتال إعزاز الدين ، قتل أو غلب ، وفى موته إعزاز نفسه بالشهادة ﴿ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ترغيب فى الجهاد إذ كان فيه الأجر العظيم ، سواء أكان مقتولا أو غالبا وتكذيب لقولهم قد أنعم الله علىَّ إذ لم أكن معهم شهيداً ، وزاد تحريضا بقوله :

﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقأتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ وفيه توبيخ لمن قصر ﴿ وَألْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ وفى تخليص المستضعفين ، كقوله : علفتها تبيناً وماء ، أى وسقيتها ماء ، فالعطف على سبيل ، ولا مانع من ترك التقدير ، لأن القتال سبيل الله ، وسبيل للمستضعفين ، لأن ما هو دين اله دين لهم ، وشأن لهم ، أو سبيلهم تخليصهم من أهل الشرك ، فالعطف على لفظ الجلالة ، والاستفعال فى المستضغفين للعد ، أى المعدودين ضعفاء ، أو للوجود ، أى موجودين ضعفاء ، أو للتعدية ، أى صيرهم المشركين ضعفاء ، وعلى كل حال لا يقدرون على الهجرة ﴿ مِنَ الرِّجَألِ وَالنِسَّآءُ وَالْوَالِدَانِ ﴾ النساء كلهن ضعاف إلا ما شذ ، والولدان كلهم ضعاف ، والرجال بعضهم ضعاف ، فتجعل من البيان على تقدير مضاف ، هو لفظ بعض ، أى وهم بعض الرجال ، وكل النساء والوالدان ، ولك أن تقدر بعضاً مراعاة للعهد الذهنى ، إذ عهدوا أن فى مكة رجالا ضعفاء ونساء وولدانا حبسهم المشركون عن الهجرة وآذوهم ، وضعفوا عن الهجرة لمرض أو ذل ، أو كبر سن أو خوف ، أو جهل طريق ، أو نحو ذلك ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : كنت أنا وأمى من المستضعفين ، أمه من النساء وهو من الولدان ، وهو جمع ولد ، ويجوز أن يراد بالولدان الإماء والعبيد أطفالا أو بلغا ، يقال للعبد والأمة وليد ووليدة ، وغلب العبد فيراد بالرجال والنساء الأحرار ، والحرائر الشاملون للبلغ والصبيان ، والمتبادر أن الولدان الصبيان ، وفى الآية للمشركين إذ كانوا يضربون النساء والضعفاء والصبيان مع ضعفهم وعجزهم عن القتال ، ومع أن الصبيان لا ذنب لهم ، وقد كانوا فى الجاهلية يستقسون بهم وستدفعون البلاء بهم ، وجاءت السنة بالاستسقاء بهم ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا ﴾ ارزقنا خروجاً بوجه ما ﴿ مِنْ هَذَِهِ القَرْيَةِ ﴾ مكة ﴿ الظَّالِمَ أَهْلُهَا ﴾ أنفسهم بالشرك وغيرهم ، بظلمة فى بدنه وماله وحبسه عن الخروج ودعائه إلى الشرك ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيَّأ ﴾ يتولى أمرنا لمجير ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾ يمنعنا من السوء ، فاستجاب الله عز وجل دعاءهم فيسر الله جل وعلا خير ولى وخير نصير ، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو هو عتاب ابن أسيد بفتح فكسر ، فتح مكة ، وولاه عليهم ، أو الناصر الذى أعطاهم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم انتصروا بفتحه ، والولى عتاب ، وعلى كل حال تولاهم سبحانه الخروج لبعض قبل الفتح ، وقيل نصيراً بمعنى حجة ثابتة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٦٨