سورة النساء · الآية ٩٠ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
إِلَّا ٱلَّذِینَ یَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُم مِّیثَٰقٌ أَوۡ جَاۤءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن یُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ یُقَٰتِلُوا۟ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَیۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ یُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡا۟ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَیۡهِمۡ سَبِیلࣰا٩٠
الرسم الإملائيّ

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا

الجزء ٥الربع ٣٧ صفحة ٩٢

تفسيرها

[سورة النساء — آية 90]

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ ﴾ أي ينتهون إليهم ، ويتصلون بهم ، ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾ أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق ، ﴿ أَوْ جَآؤُوكُمْ ﴾ عطف على صفة (( قوم )) ، أي : إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين ، أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليهم . ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ الحصر : الضيق والانقباض ، أي : ضاقت ، ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ عن أن يقاتلوكم ، ﴿ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ﴾ معكم ، ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ بتقوية قلوبهم ، وإزالة الحصر عنها ، ﴿ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ عطف على (( سلطهم )) . ﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ فإن لم يعترضوا لكم ، ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ أي : الانقياد والاستسلام ، ﴿ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ إلى القتال .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨٣

[سورة النساء — آية 90]

ثم استثنى قوماً فنهى عن قتالهم فقال : ﴿ إِلاَّ الذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ﴾ هؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد ، وكان بين رسول الله وبين قريش عهد ، فحرم الله من بني مدلج ما حرم من قريش . وهذا منسوخ نسخته الآية التي في براءة : ﴿ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ [ التوبة : 5 ] .

قال : ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُرُهُمْ ﴾ أي كارهة صدورهم ﴿ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ نسختها هذه الآية ﴿ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ .

قال بعضهم : ذكر لنا أنهما رجلان من قريش كانا مع المشركين بمكة ، وكانا قد تكلَّما بالإِسلام ولم يهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلقيهما أناس من أصحاب النبي عليه السلام وهما مقبلان إلى مكة؛ فقال بعضهم : إن دماءهما وأموالهما حلال ، وقال بعضهم : لا يحل لكم ذلك ، فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ حتى انتهى إلى قوله . . . ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ ، أي كارهة صدورهم .

ذكروا أن مجاهداً قال : هم قوم خرجوا من أهل مكة حتى أتوا المدينة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجِرون فيها؛ فاختلف فيهم الناس فبيَّن الله نفاقهم وأمر بقتالهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨٣

[سورة النساء — آية 90]

﴿ إلاّ الّذِينَ يَصِلُونَ ﴾ يلجأون ﴿ إلَى قَوْمٍ بْيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ عهج ، فلا تقتلهوهم ولا تأسروهم ، كما لا تفعلون ذلك بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق ، إذ هؤلاء مثلهم لالتجائهم إليهم ، فهم فى أمانكم بتوسط القوم ، ولو التجأوا إليهم بلا أمر لكم فى شأنهم ، لا سيما إن كان بأمر ، كما روى أن القوم المذكورين هم الأسلميون ، وأنه كان صلى الله عليه وسلم وقت خروجه إلى مكة وادع هلال ابن عويمر الأسلمى ، على أن لا يعنيه ولا يعين عليه ، وعلى أن من وصل إلى هلاك ولجأ إليه فله من الجوار ما لهلال ، وروى أن سراقة طلب ذلك لقومه ، فأمر خالد أن يمشى مع سراقة إليهم بذلك فكان لهم ذلك ، وقيل القوم بنو جذيمة بن عامر ، وقيل القوم بنو بكر بن زيد ، وقيل خزاعة فيقال هؤلاء كلهم ﴿ أَوْ جَآءُوكُمْ ﴾ أو للتنويع والعطف على يصلون لا على بينكم وبينهم ميثاق ، لأنه ليس المراد يصلون إلى قوم حصرت صدورهم ﴿ حَصِرَتْ ﴾ انقبضت ، الجملة حال من الواو على تقدير قد ، وأجيزت الحالية بدون تقدير ، ويدل للحالية قراءة حصرة وحصرات وحاصرات بالنصب والتنوين ﴿ صُدُورُهُمْ أَو يُقَاتِلُوا ﴾ عن أن يقاتلوكم ، لقذف الرعب فيهم ، ولأنهم عاهدوكم أن لا يقاتلوكم ﴿ أَوْ يُقَاتِلُوا ﴾ أو عن أن يقاتلوا أو لأن يقاتلوا أن كراهة أن يقاتلوا ﴿ قَوْمَهُمْ ﴾ لأتهم على دين قومهم ، وهم بنو مدلج ، عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتلوه وعاهدوا قريشاً أن لا يقاتلوهم ﴿ وَلَوْ شَاء اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ بأن يقوى قلوبهم عليكم فلا يهابوكم ﴿ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ فلا تقاتلوهم ، ونسخ بآية السيف ، والللام جوابية لم يتعرضوا لكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُكُمْ وَأَلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ الصلح ﴿ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ﴾ بالقتل والسبى والغنم ، وذلك منسوخ بآية السيف ، سواء أطلبوا الصلح ولم يعقد لهم ، أو طلبوه وعقد لهم ، فأولا لا يكون عليهم سبيلا وبعد النسخ يكون بأن يبطل عقد العهد لهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨٣