سورة النساء · الآية ٩٥ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ غَیۡرُ أُو۟لِی ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِینَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِینَ دَرَجَةࣰۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِینَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِینَ أَجۡرًا عَظِیمࣰا٩٥
الرسم الإملائيّ

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

الجزء ٥الربع ٣٧ صفحة ٩٤

تفسيرها

[سورة النساء — آية 95]

﴿ لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ﴾ عن الجهاد ، ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ ﴾ من مرض أو عاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوهما ، تنبيها على أن القاعد من أولي الضرر ، شريك للمجاهد في الأجر ، إذا كانت نيته أن يجاهد إن لو لم يكن به ذلك . ﴿ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة ، وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ترغيبا للقاعد من غير علة في الجهاد ، رفعا لرتبته ، وأنفه عن انحطاط منزلته . ﴿ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ ﴾ قال أبو سعيد : (( إنما عذر عن الجهاد عند القدرة على الجهاد من الكافة بجهاد البعض ، ولو اجتمعوا كلهم على ترك الجهاد وهم قادرون عليه كانوا بذلك هالكين مضيعين لما لزمهم من ترك الجهاد )) . ﴿ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى ﴾ أي : المثوبة الحسنى وهي الجنة ، وإن كان المجاهدون مفضلَّين على القاعدين درجة بزيادة عملهم . ﴿ وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ ﴾ بعذر أو بغير عذر ، ﴿ أَجْراً عَظِيماً ، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨٨

[سورة النساء — آية 95]

قوله : ﴿ لاَّ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَر وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بَأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾ . ذكروا عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله جاء ابن أم مكتوم إلى النبي عليه السلام فقال : يا رسول الله ، أنا كما ترى ، كان أعمى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ادعوا لي زيداً وليأتني باللوح أو الكتف » فأنزل الله : ﴿ غَيْرُ أُوْلي الضَّرَرِ ﴾ ، فأنزل الله عذره .

وقال الحسن : هو كقوله : ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ [ الفتح : 17 ] .

قوله : ﴿ فَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ ﴾ أي المجاهد والقاعد ﴿ وَعَدَ الله الحُسْنَى ﴾ والحسنى الجنة . وعد الله المجاهدين من المؤمنين الجنة . وهذه نزلت بعد ما صار الجهاد تطوّعاً .

﴿ وَفَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أقام الصلاة وآتى الزكاة ومات لا يشرك بالله فإن حقاً على الله أن يغفر له ، جاهد أو قعد » .

وفي قوله : ﴿ فَضَّلَ الله المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ ﴾ ذكروا عن عطاء أنه قال : من جهَّز غيره بمال في سبيل الله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف ، ومن خرج بنفسه وماله كان له بكل درهم سبعمائة ضعف وبكل ضعف سبعون ألف ضعف ،

و ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ [ المائدة : 27 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨٨

[سورة النساء — آية 95]

﴿ لاَ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ ﴾ عن الحرب والمال ، وقوله والمال على حذف المضاف تقديره وإنفاق المال ، أوعن الحرب مع إنفاق المال فيها ، كمر كوب وسلاح وزاد وفى البخارى هم القاعدون عن بدر ، رواه عن ابن عباس ، وقيل المتخلفون عن تبوك ، إذ يخلف عنها كعب بن مالك من بنى مسلمة ، ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف ، والربيع وهلال بن أمية كلاهما من بنى واقف ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ ﴾ من ضعف ، أو هرم أو عمى ، أو عرج أو قعود مع الوالدين المحتاجين إليه ، أو عدم ما يغزون به ، لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال : إن بالمدينة لأقواما ، ما سرتم من مسير ، ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ، قال : نعم ، وهم بالمدينة ، حبسهم حابس العذر ، أى لصحة تعلق نياتهم بالجهاد ، كما قال عز وجل : ليس على الضعفاء إلى قوله عز وجل : إذا فصحوا لله ورسوله كما قال : ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا الخ ، فمعناهن أن من نوع عمل خير فمنعه مانع يكتب له أجره ، ويقول للملائكة اكتبوا له أحسن ما كان يعمل ، فأنا قيدته ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « نية المؤمن خير من عمله فله ثواب ألف عام لما نواه نية صحيحة » قال زيد بن ثابت نزلت الآية أولا هكذا لا يستوى القاعدون من المؤمنين و المجاهدون فى سبيل الله الخ بدون ذكر قوله غير أولى الضرر ، فقال ابن أم مكتوم فكيف وأنا أعمى يا رب ، أين عذرى يا رب ، أين عذرى ، بمعنى أنه يطلب أن يعذر ، فغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلسه الوحى ، فوقعت فخذه على فخذى ، فخشيت أن ترضها ، أى تكسرها ، ثم سرى عنه ، أى زالت عنه شدة الوحى ، فقال : اكتب ، لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أُولى الضرر والمجاهدون فى سبيل الله ، بأموالهم وأنفسهم ، بزيادة غير أُولى الضرر ، قال زيد بن ثابت : ما جف قلمى وأنا اكتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قول ابن أم كلثوم حتى قال اكتب يا زيد غير أولى الضرر ، نفى الله الاستواء بينهم ليرغب الناس عن القعود ويأنفوا عن انحطاط رتبهم ، ومعلوم أن التفاوت يرفع المجاهدين عن القاعدين لا بانحطاطهم ، لم يقل والخارجون فى سبيل الله ، مع أنه أنسب بقوله لا يستوى القاعدون قدحا لهم وتصريحاً بموجب المزية ، ولأن القعود كان قعوداً عن الجهاد ، وأخر ذكر المجاهدين عن القاعدين ليتصل التصريح بفضلهم بهم ، ووضح ذلك تأكيداً فى الترغيب بقوله ﴿ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً ﴾ بدل اشتمال على حذف الرابط ، أى درجة لهم ، أو تمييز عن المفعول ، أى فضل الله درجة المجاهدين ، أو مفعول مطلق بمعنى تفضيله ، وقدر بعض فى درجة ، وبعض بدرجة ، وبعض ذوى درجة ﴿ وَكلاًّ ﴾ من القاعدين والمجاهدين ﴿ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى ﴾ الدار الحسنى ، أو المثوبة الحسنى ، وهى الجنة لإيمانهم مع إخلاص ، ومع كون الجهاد على الكفاية فى المسألة إلا أن للمجاهدين فضلا عليهم لمزيد عملهم ﴿ وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾ إعرابه كدرجة ، أو ضمن فضل معنى أعطى ، أى أعطاهم زيادة على القاعدين أجراً عظيما ، وهذا تأكيد آخر ، ودعا إليه ذكر ، وكلا وعد الله الحسنى ، والأجر العظيم الدرجة المذكورة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٨٨