سورة غافر · الآية ١٥ من ٨٥

‹ السورة السابقة
رَفِیعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ یُلۡقِی ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِیُنذِرَ یَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ١٥
الرسم الإملائيّ

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ

الجزء ٢٤الربع ١٨٧ صفحة ٤٦٨

تفسيرها

[سورة غافر — آية 15]

}فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)﴿ أي : لا يصدنكم عن الإخلاص لله كراهية من كفر.﴾رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ﴿ رفيع القدر، ليس هناك مسافات، ﴾ذُو الْعَرْشِ﴿ خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس، الدال على تفرده في الألوهية؛ فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر دونها كمال ، وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته، لا يصح أن يشرك به؛ وقيل: »الدرجات« : مراتب المخلوقات ، أو مصاعد الملائكة على العرش، أو درجات الثواب، ﴾يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ{ خبر رابع للدلالة على ان الروحانيات أيضا مسخرات لأمره بإظهار آثارها، وهو الوحي، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد.

و»الروح«: الوحي، }لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴿ من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم، ﴾لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) {لما دل عليه ظاهرالحال فيه، من زوال الآسباب، وارنفاع الوسائط؛ وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٤٨

[سورة غافر — آية 15]

قوله : ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ﴾ أي : هو رفيع الدرجات ، أي : درجات المؤمنين في الجنة ﴿ ذُو الْعَرْشِ ﴾ رب العرش ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ ﴾ أي : ينزل الوحي ﴿ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ أي : الأنبياء مع جبريل ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ ﴾ أي : يوم القيامة ، يوم يلتقي فيه الخلائق من أهل السماء وأهل الأرض عند الله يوم القيامة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٤٨

[سورة غافر — آية 15]

﴿ رَفيعُ الدَّرجات ﴾ هو رفيع أو مبتدأ خبره ذو ، ولو كانت اضافته لفظية أو خبر لذو أو هما ، ويلقى أخبار لهو السابق ، ولفظ رفيع صفة مشبهة مضافة لفاعلها ، ولا مفعول له ، لأنه لازم ، وفعله رفع بضم الفاء بمعنى علا ، والدرجات صفاته وأفعاله ، او درجات ملائكته الى عرش سبحانه ، وقيل : سمواته لأنها معارج ، وفيه أن المتبادر من ذلك أن لا تكون درجات بين السماء والسماء ، وبين السماء والعرش ، وهو خلاف الظاهر ، ولو جاز ، ويجوز أن يكون المراد الكتابة عن عزة شأنه ، وهو الذى يتبادر الى الفهم ، وأن يكون من رفع المتعدى بفتح الفاء صفة مبالغة مضافة الى مفعولها بمعنى أنه رفع درجات من أطاعه ، ودرجات الدنيا ، ودرجات الآخرة ، وهو أنسب بقوله تعالى : ﴿ فادعوا الله ﴾ الخ أو رفع سماء فوق سماء ، أو رفع درجات ملائكته الى العرش على ما مر .

﴿ ذُو العَرْش ﴾ ذو الملك ، ومنه العرش المحمول ، أو هو المراد وهو أنسب بتفسير رفيع الدرجات بعزيز الشأن ﴿ يُلقى الرُّوحَ ﴾ الوحى وعن ابن عباس القرآن وهما للقلب كروح الحياة ، كالرزق للجسد ، وفسره بعض بفهم الشريعة ، ويبعد تفسيره بجبريل ، وعليه فالمعنى أن أن الله ينزل جبريل على من يشاء أنه نبى ﴿ مِنْ أمْره ﴾ من قضائه أو ملكه ، ومن للابتداء ، وقيل : بيان للروح ، أى هو أمره ، ولو فسر الروح بجبريل لكانت سببية ، أى لتبليغ أمره ، وقيل بأمره ﴿ عَلَى مَنْ يشاءُ مِنْ عِبادِه ﴾ وهو الأنبياء والرسل ، ويتوسط أيضا أتباعهم فى التبليغ داخل المئات ، وعلى رءوسها كما روى أبو داود ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها » أى باحياء ما اندرس من العلم ، والعمل بالكتاب والسنة ، وما استخرج منهما .

﴿ ليُنْذر ﴾ متعلق بيلقى ، والضمير لله ، لأنه المحدث عنه ، وهو المتبادر ، أو لمن يشاء لقربه ، ولأنه منذر بلا توسط ، ولو كان بتوسط الأتباع ، ويبعد عوده للروح أو للأمر ﴿ يَوْم التَّلاق ﴾ مفعول ثان لينذر ، والأول محذوف أى لينذرهم أى العباد ، أو لينذر الناس ، أو يقدر الباء أى بيوم التلاقى أو متعلق بمحذوف أى الانتقام ، أو العقاب يوم التلاقى ، وهوتلاقى الخالق والمخلوق ، لقوله عز وجل : ﴿ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ان الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ وقوله جل وعلا : ﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ وقوله سبحانه : ﴿ إنهم ملاقوا ربهم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ تحيَّتهم يَوْم يلقونه سلام ﴾ ونحو ذلك .

وقيل : تلاقى الخلائق فيه ، لجريان الكلام على الحقيقة ، ونفى توهم استواء الخالق والمخلوق ، وقيل التقاء أهل السماء والأرض ، وقال ميمون بن مهران : التقاء الظالم والمظلوم ، وقيل : التقاء كل أحد وعمله ، وقيل : التقاء العابدين والمعبودين ، ولا مانع من الحمل على الالتقاءات المذكورة كلها الا أن لقاء الله مجاز ، ومر كلام فى الجمع بين الحقيقة والمجاز .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٤٨