سورة فصلت · الآية ٣٠ من ٥٤

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَبۡشِرُوا۟ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی كُنتُمۡ تُوعَدُونَ٣٠
الرسم الإملائيّ

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ

الجزء ٢٤الربع ١٩٢ صفحة ٤٨٠

تفسيرها

[سورة فصلت — آية 30]

}إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴿ اعترافا بربوبيته، وإقرارا بوحدانيته، ﴾ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴿ على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، ﴾تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴿ فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن؛ أو عند الموت؛ أو القيامة؛ أو في تللك المواطن كلها؛ ﴾أَلَّا تَخَافُوا﴿ ما تقدمون عليه، ﴾وَلَا تَحْزَنُوا﴿ مما يحزن منه ....؛ ﴾وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30){ في الدنيا.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٤٨

[سورة فصلت — آية 30]

قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ﴾ مخلصين له ﴿ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ عليها وعلى العمل بالفرائض ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ ﴾ عند الموت ﴿ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ أي : إذ كنتم في الدنيا .

ذكروا أن أبا بكر الصديق قرأ هذه الآية فقالوا له : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما الاستقامة؟ قال : ألا تشركوا به شيئاً .

ذكروا أن عمر بن الخطاب قال : ثم استقاموا على الفرائض ولم يروغوا روغان الثعالب ، أي : لم ينتقصوا دين الله حتى أكملوا فرائضهم ووفوا بها .

قال : ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ ﴾ أي : عند الموت في تفسيربعضهم .

وتفسير الحسن أن قول الملائكة لهم : ﴿ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ وأنتم آمنون ، تستقبلهم بهذا إذا خرجوا من قبورهم إلى الموقف .

وفي تفسير بعضهم ﴿ أَلاَّ تَخَافُوا ﴾ أي أمامكم ، ﴿ وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ أي : على ما خلّفتم ، نحن نخلفكم فيه .

ذكروا عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال : احضروا موتاكم وألزموهم قول لا إله إلا الله ، فإنهم يسمعون أو يرون ما يقال لهم .

ذكروا عن الحسن أنه دخل على أبي الشعثاء جابر بن زيد وهو مدنَف فقال له : يا أبا الشعثاء ، فرُفع رأسه فقال له : قل لا إله إلا الله . فسكت أبو الشعثاء . فأعاد له القول فقال له : قل لا إله إلا الله ، فسكت أبو الشعثاء ، ثم أعاد الحسن فقال أبو الشعثاء في الثالثة ، يا أبا سعيد ، أنا من أهلها ، ولكني أعوذ بالله من النار ومن سوء الحساب . فخرج الحسن من عنده وهو يقول : تالله ما رأيت كاليوم قط رجلاً أفقه حتى عند الموت .

ذكر بعضهم حديثاً عن عيسى بن مريم بإسناده أنه قال : عجبت للمؤمن كيف يحفظ ولده من بعده ، أي إنه يحفظ بعده .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٤٨

[سورة فصلت — آية 30]

﴿ إنَّ الَّذينَ قالُوا ربُّنا الله ثمَّ اسْتقامُوا ﴾ بأداء الفرائض ، واجتناب المعاصى ، وان زلوا تابوا وأخلصوا العمل ، وعن عمر : الاستقامة ان تستقيم على الأمر والنهى ، ولا تروغ روغان الثعلب ، وعن عثمان : اخلاص العمل ، وعن على ، وابن عباس : أداء الفرائض ، وقيل : استقاموا على شهادة أن لا اله الا الله ، أى بأن يجروا على مقتضاها ، وان أعرضوا عن الفانية وأقبلوا على الباقية ، وزادوا النوافل ، فزيادة خبر ، وعراض عما سوى الله تعالى ، وقد فسر الفضيل الاستاقمة بالزهد فى الفانية ، والرغبة فى الباقية ، وسأل الصديق الصحابة عن الاستقامة فقالوا : لا يذنبون ، فقال شددتم أى لأنهم اذا أذنبوا تابوا ، وانما المحذور أن يروغوا روغان الثعلب كما قال عمر ، قالوا لأبى بكر : فما تقول؟ فقال : لم يرتدوا أى بقوا على التوحيد ومقتضاه من أداء الواجب ، وترك المعصية ، أترى الصديق يطلق على المصر ، والذى يروغ أنه استقام ، لا والله .

وكان الحسن إذ قرأ الآية قال : اللهم أنت ربنا ، فارزقنا الاستقامة ، وثم للتراخى فى الزمان ، لأن أداء الفرائض لليس لا بد متصلا ، فقد يسلم بكرة ولا يرد عليه فرض الا بعد مدة من اليوم ، أو للتراخى فى الرتبة فان الاستقامة أصعب من الاصرار ، وأيضا الاستقامة تتضمن التوحيد وزيادة ، فانه كلما عمل فرضا وتقرب به الى الله فقد وحد ، ويجوز اعتبار التراخى الرتبى ببعد العمل عن التوحيد ، فان أفضل من العمل ومنشأة .

﴿ تَتَنزَّل عَليْهُم الملائكةُ ﴾ من الله سبحانه وتعالى عند الموت ، وفى القبر ، وعند البعث ، يبشرونهم برضا الله عز وجل والجنة ، وعند المصائب يلهمونهم الصبر ، وما يشرح الصدر ﴿ ألاَّ تَخافُوا ﴾ فان الله غفر ذنوبكم ، وتقبل حسناتكم ، وفى الدنيا لا تخافوا فان المصائب تذهب ، ويبقى بعدها الأجر ﴿ ولا تَحْزنُوا ﴾ على ما خلفتم ، وهذا عند الموت ، ولا تحزنوا لشقوة ، فلستم من أهلها ، ولا تحزنوا على المصائب أن تدوم فانها لا تدوم ، وهذا فى الدنيا ، وأن مفسرة ، فان نزول الملائكة يتضمن القول ، ولا ناهية ، أو ان ناصبه مصدرية ، ولا نافية فتقدر الباء ، أى بانتفاء الخوف والحزن ﴿ وأبْشِرُوا بالجنَّة التَّى كُنتُم تُوعدُون ﴾ توعدونها على ألسنة الرسل والأنبياء ، هذا عند الموت وفى القبر والبعث .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٤٨