سورة الزخرف · الآية ٥١ من ٨٩

‹ السورة السابقة
وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِی قَوۡمِهِۦ قَالَ یَٰقَوۡمِ أَلَیۡسَ لِی مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِی مِن تَحۡتِیۤۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ٥١
الرسم الإملائيّ

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ

الجزء ٢٥الربع ١٩٧ صفحة ٤٩٣

تفسيرها

[سورة الزخرف — آية 51]

}وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴿ في مجمعهم ﴾قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴿ من تحت قصري، أو أمري، أو بين يدي في جنـاتي، ﴾أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)﴿ ذلك؟ ﴾أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴿ مع هذه المملكة والسلطنة، ﴾مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴿ ضعيف حقير لا يستعد للرئاسة؛ من المهانة: وهي القلة، ﴾وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)﴿ الكلام لما به من اللكنة، فكيف يصلح للرسالة؟ ﴾فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴿ أي: فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقا؛ إذ كانوا إذ كانوا إذا قدموا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب، ﴾أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)﴿مقرونين متتابعين، يتابع بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه، ويعينونه على أمــره. ﴾فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴿ فطلب منهم الخـفة في مطـاوعته، ﴾فَأَطَاعُوهُ﴿ فيما أمرهم به، ﴾إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54){ فلذلك أطاعوه.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٧٦

[سورة الزخرف — آية 51]

قال : ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ ﴾ أي : حين جاءه موسى يدعوه إلى الله؛ ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ أي : في ملكي ﴿ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ فيها إضمار ، أفلا تبصرون [ أم تبصرون ] .

ثم استأنف الكلام فقال : ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ ﴾ أي : بل أنا خير ﴿ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ﴾ أي : ضعيف ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ يعني العقدة التي كانت في لسانه من الجمرة التي ألقاها في فيه وهو صغير حين تناول لحية فرعون ، فأراد أن يقتله فقالت له امرأته : هذا صغير لا يعقل ، فإن أردت أن تعلم ذلك فادع بتمرة وجمرة فاعرضهما عليه؛ فأتي بتمرة وجمرة فعرضتا عليه فأخذ الجمرة فألقاها في فيه . فمنها كانت العقدة التي في لسانه . وقال الكلبي : كانت رتّة شديدة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٧٦

[سورة الزخرف — آية 51]

﴿ ونادى ﴾ ليصرف الناس عن اتباع موسى ، اذ كشف الضر بدعائه ﴿ فرعون فى قومه ﴾ عطف على ما قبله عطف قصة ، أو على المعنى المسمى فى غير القرآن ، عطف توهم ، كأنه قد قيل فاجئوالنكث ، ونادى لا على فاجأ مقدار فى العبارة ، ويجوز العطف على ينكثون وقومه اشرافه المعبر عنهم بالملأ ، جميعهم فى محله أو جميع قومه ، لأن النداء فى ملئه نداء فى القبط كلهم ، أو أرد بالقوم مملكته كذلك ، وكل واحد من ملئه بشر نداءه فى قومه فيعم ، أو أراد أنه نادى منادوه فى الأسواق والشوارع والمجامع والبلاد ، فحذف المضاف أو أسند الى نفسه على التجوز فى الاسناد ، والمنادى حقيقة غيره فى كل وجه ، وعدى نادى بفى لأنه أراد النداء فيهم ، ولا مفعول له صريح ، لأن المراد صرخ فيهم ، وكأنه قيل ماذا قال فى ندائه فقيل :

﴿ قال يا قوم ﴾ القوم هم المذكرون ﴿ أليْس لى مُلْك مِصْر ﴾ لم يرد القاهرة وحدها ، بل مصر عبارة عن القاهرة وأعمالها ، أو أراد يملك مصر ما ملكته القاهرة من الأعمال ، كأنها مالكة ، لأن أحكام أعمالها تحت حكمها ، ودخلت القاهيرة بالمساواة أو بالأولى ، لأن أعمالها كأعضاء الانسان اذا قطعت تعطل ، أو أراد القاهرة خصوصا واعمالها تابعة لها ، والملك بمعنى مملوكات ، ويجوز أن يكون مصدرا ، أى التصرف فيها ، وأعمالها ، الاستكندرية وأسوان وما بينهما .

﴿ وهَذه الأنهار ﴾ عطف على ﴿ لى ملك مصر ﴾ كأنه قيل : أليس لى هذه الأنهار وقوله : ﴿ تَجرى من تَحتى ﴾ حال من هذه ، وقوله : ﴿ هذه الانهار تجرى من تحتى ﴾ مبتدأ وخبر ، والعطف على ليس لى ملك مصر ، أوهى حال من الياء ، وليس فى هذا الوجه من المبتدأ والخبر ، التصريح بأنها مملوكة له ، لكن معلوم ذلك من المقام ، اذ ملك مصر وأعمالها فكيف يتصور أن يملكها دون أنهارها وأيضا جريانها تحته بكيفية يشاؤها ، كالتصريح فى أنها ملكه ، وأيضا قد يقال : من تحتى بمعنى بأمرى وتصرفى ، والأنهار الخلج المفتتحة من النيل ، كنهر الملك ، ونهر دمياط ، ونهر تنيس ، ولعل نهر طولون كان على عهده واندرس ، وجدده أحمد بن طولون فى الاسلام ، والمشهور الأنهار تجرى من تحته بمعنى تحت قصره ، أى من تحت قصرى وقصره مشرف عليها ، أو تحت سرير ، وكان له سرير مرتفع تجرى من تحته أو تحت أشجاره ، وكانت له بساتين وجنان .

﴿ أفلا تُبْصرون ﴾ أغفلتم فلا تعقلن ذلك ، وأذهلتم بأمر موسى فلا تعقلون ذلك ، أو لا مفعول له بمعنى أليس لكم بصيرة ، ادعى الربوبية مع أنه ليس له إلا ملك مصر ، وهذا عجيب ، ولما قرأ هارون الرشيد هذه الآية قال : الأولين مصر أخس عبيدى فولاها الخصيب وكان على وضوئه روى ذلك ، ومعنى على وضوئه أنه لم ينتقض بالكذب ، اذ لم يكذب فى أن اخصيب أخس عبيده ، أو كان الخصيب عبدا له ما يلى من أمر الملك هارون الا استعداد الماء للتوضؤ ، والقيام بشأن الوضوء ، ووليها عبد الله بن طاهر ، فخرج اليها ، فلما شارفها ووقع عليها بصره قال : هى القرية التى افتخر بها فرعون ، حتى قال : ﴿ أليس لى ملك مصر ﴾ والله لهى عندى أقل من أن أدخلها ، فثنى عنانه .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٧٦