تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الزخرف

الجزء الزخرف · صفحة ٠
[سورة الزخرف — آية 51]

﴿ ونادى ﴾ ليصرف الناس عن اتباع موسى ، اذ كشف الضر بدعائه ﴿ فرعون فى قومه ﴾ عطف على ما قبله عطف قصة ، أو على المعنى المسمى فى غير القرآن ، عطف توهم ، كأنه قد قيل فاجئوالنكث ، ونادى لا على فاجأ مقدار فى العبارة ، ويجوز العطف على ينكثون وقومه اشرافه المعبر عنهم بالملأ ، جميعهم فى محله أو جميع قومه ، لأن النداء فى ملئه نداء فى القبط كلهم ، أو أرد بالقوم مملكته كذلك ، وكل واحد من ملئه بشر نداءه فى قومه فيعم ، أو أراد أنه نادى منادوه فى الأسواق والشوارع والمجامع والبلاد ، فحذف المضاف أو أسند الى نفسه على التجوز فى الاسناد ، والمنادى حقيقة غيره فى كل وجه ، وعدى نادى بفى لأنه أراد النداء فيهم ، ولا مفعول له صريح ، لأن المراد صرخ فيهم ، وكأنه قيل ماذا قال فى ندائه فقيل :

﴿ قال يا قوم ﴾ القوم هم المذكرون ﴿ أليْس لى مُلْك مِصْر ﴾ لم يرد القاهرة وحدها ، بل مصر عبارة عن القاهرة وأعمالها ، أو أراد يملك مصر ما ملكته القاهرة من الأعمال ، كأنها مالكة ، لأن أحكام أعمالها تحت حكمها ، ودخلت القاهيرة بالمساواة أو بالأولى ، لأن أعمالها كأعضاء الانسان اذا قطعت تعطل ، أو أراد القاهرة خصوصا واعمالها تابعة لها ، والملك بمعنى مملوكات ، ويجوز أن يكون مصدرا ، أى التصرف فيها ، وأعمالها ، الاستكندرية وأسوان وما بينهما .

﴿ وهَذه الأنهار ﴾ عطف على ﴿ لى ملك مصر ﴾ كأنه قيل : أليس لى هذه الأنهار وقوله : ﴿ تَجرى من تَحتى ﴾ حال من هذه ، وقوله : ﴿ هذه الانهار تجرى من تحتى ﴾ مبتدأ وخبر ، والعطف على ليس لى ملك مصر ، أوهى حال من الياء ، وليس فى هذا الوجه من المبتدأ والخبر ، التصريح بأنها مملوكة له ، لكن معلوم ذلك من المقام ، اذ ملك مصر وأعمالها فكيف يتصور أن يملكها دون أنهارها وأيضا جريانها تحته بكيفية يشاؤها ، كالتصريح فى أنها ملكه ، وأيضا قد يقال : من تحتى بمعنى بأمرى وتصرفى ، والأنهار الخلج المفتتحة من النيل ، كنهر الملك ، ونهر دمياط ، ونهر تنيس ، ولعل نهر طولون كان على عهده واندرس ، وجدده أحمد بن طولون فى الاسلام ، والمشهور الأنهار تجرى من تحته بمعنى تحت قصره ، أى من تحت قصرى وقصره مشرف عليها ، أو تحت سرير ، وكان له سرير مرتفع تجرى من تحته أو تحت أشجاره ، وكانت له بساتين وجنان .

﴿ أفلا تُبْصرون ﴾ أغفلتم فلا تعقلن ذلك ، وأذهلتم بأمر موسى فلا تعقلون ذلك ، أو لا مفعول له بمعنى أليس لكم بصيرة ، ادعى الربوبية مع أنه ليس له إلا ملك مصر ، وهذا عجيب ، ولما قرأ هارون الرشيد هذه الآية قال : الأولين مصر أخس عبيدى فولاها الخصيب وكان على وضوئه روى ذلك ، ومعنى على وضوئه أنه لم ينتقض بالكذب ، اذ لم يكذب فى أن اخصيب أخس عبيده ، أو كان الخصيب عبدا له ما يلى من أمر الملك هارون الا استعداد الماء للتوضؤ ، والقيام بشأن الوضوء ، ووليها عبد الله بن طاهر ، فخرج اليها ، فلما شارفها ووقع عليها بصره قال : هى القرية التى افتخر بها فرعون ، حتى قال : ﴿ أليس لى ملك مصر ﴾ والله لهى عندى أقل من أن أدخلها ، فثنى عنانه .

٤٬٣٧٦ / ٦٬٢٣٦