سورة الجاثية · الآية ٢١ من ٣٧

‹ السورة السابقة
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ ٱجۡتَرَحُوا۟ ٱلسَّیِّءَاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَاۤءࣰ مَّحۡیَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ٢١
الرسم الإملائيّ

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

الجزء ٢٥الربع ٢٠٠ صفحة ٥٠٠

تفسيرها

[سورة الجاثية — آية 21]

}أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴿ أي: اكتسبوها، ﴾أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴿ أي: نصيرهم ﴾كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴿ المعنى: إنكار أن تكون حياتهم ومماتهم سواء، ﴾سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21){ساء حكمهم هذا، أو بئس شيئا حكموا به ذلك.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٤

[سورة الجاثية — آية 21]

قوله عزّ وجلّ : ﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا ﴾ أي اكتسبوا ﴿ السَّيِّئَاتِ ﴾ والسيئات ها هنا الشرك . ﴿ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ وذلك كقول أحدهم ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي ﴾ ، كما تقولون ، ﴿ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى ﴾ ، أي الجنة ، إن كانت جنة ، أي : لا نجعلهم مثلهم؛ الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة ، والمشركون في النار .

قال : ﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ ﴾ وهي تقرأ على وجهين : مقرأ مجاهد بالرفع؛ سواءٌ محيا المؤمن ومماته ، هو في الدنيا مؤمن وفي الآخرة مؤمن ، والكافر في الدنيا كافر ، وفي الآخرة كافر . ومقرأ الحسن : ( سَوَاءٌ ) بالنصب ، على معنى أن يكونوا ، يعني المؤمنين والمشركين ، سواء فيما حسب المشركون ، أي : ليسوا سواء . أي : إن مات المؤمنون على الإيمان يرزقون الجنة ، وأما المشركون الذين ماتوا على الشرك فهم يدخلون النار . قال الله عز وجل : ﴿ سَاء ﴾ أي : بئس ﴿ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ أي : أن نجعلهم سواء .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٤

[سورة الجاثية — آية 21]

﴿ أمْ حَسِب ﴾ إضرابٌ انتقالى توبيخى انكارى الى بيان حال المسيئين وحال المحسنين بالايمان ، والعمل بعد بيان حال الظالمين والتقين أنهم لا يستوون ، وانما تغايرهم بعنون الظلم والاتقاء ، وكسب للسيئات ، والايمان ، والعمل الصالح ، والا فالمجترحون للسيئات هم الظالمون ، والمؤمنون العاملون هم التقون ﴿ الَّذين اجْتَرحوا ﴾ اكتسبوا ، ومنه تسمية الأعضاء جوارح ، وقولهم فلان جارحة أهله ، أى كاسب لهم ، وكلب الصيد وطائر الصيد جارحة أنه يكسب لسيده ﴿ السِّيئات ﴾ سيئات الشرك .

روى قومنا : أن عتبه وابنه الوليد وشيبة قالوا لعلى وحمزة والمؤمنين : والله ما أنتم على شىء ، ولئن كان ما تقولون حقا لحالنا أفضل من حالكم يوم القيامة ، كما هو أفضل فى الدنيا ، فنزلت الآية رداً عليهم ، ويؤخذ من ذلك حكم الموحد الفاسق ، والموحد الموفى فالفاسق فى النار ، والموفى فى الجنة ، ولا مانع من حمل الآية عليهما وعلى المشرك ، وعلى هذا ففيها زيادة اقناط المشركين اذا كان الموحد الفاسق فى النار ، فالمشرك أولى بها ، وكذا إن حملت على الموحد المجتر للسيئات التائب ، والموحد الموفى ، ولا يعارض شمولهما قوله : ﴿ ساء ما يحكمون ﴾ إذ لا مانع من أن يقال للموحد المخطىء فى حكمه : ساء ما يحكم ، وقد تمثل بالآية تميم الدارى ، والربيع بن خيثم ونحوهما للموحد الفاسق ، والموحد الموفى ، مع ابقائها فى أهل الشرك ، أو حملوها على العموم فيها ، وفى المشرك ، أو فسروها بهما ، قال أبو الضحا : قرأ تميم الدارى سورة الجاثية ، فلما أتى على قوله : ﴿ أم حسب الذين ﴾ الخ لم يزل يبكى ويكررها حق أصبح عند المقام .

قال مسروق : قال لى رجل من أهل مكة : هذا مقام أخيك تميم الدارى ، ولقد رأيته ذات ليلة قائما لها حتى أصبح ، أو قرب أن يصبح ، يقرأ آية من كتاب الله عز وجل ، يركع بها ، يركع عنها أو يصلى بها ، لورود النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود ، أو جاز ذلك فى النفل ، وروى ابن أيى شيبة ، عن بشير مولى الربيع بن خيثم : أن الربيع كان يصلى فمر بهذه الآية : ﴿ أم حسب ﴾ الخ فكررها حتى أصبح ، وكان الفضيل بن عياض اذا قرأها قال لنفسه : ليت شعرى من أى الفريقين أنت؟ وكان الخائفون يبكون لهذه الآية ، حتى انها تسمى مبكاة العابدين .

ويؤخذ بالقياس أن الموحد المستغرق فى السيئات ، التائب لا يساوى العبد غير المستغرق فيها ، إلا إن كان أمر خارج أفضى الى المساواة أو العكس ، فان حاصل الآية مقابلة كل أحد بعمله ، إذ قال : ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ﴾ .

﴿ أنْ نَجعَلهُم كالَّذين آمنُوا وعملوا الصالحات ﴾ فى دخول الجنة كلا ، لا يدخلها مشرك ، ولا يترك عقابه ، أو فى استواء درجات الموحدين لا ، ومصدر نجعل مفعول به لحسب ، ولمنا اشتمل الفعل على المفسد والمسند اليه قبل التأويل بالمصدر اكتفى به عن المفعولين أو حذف الثانى وجوبا ، أى سواء جعلهم كالذين آمنوا ثابتاً ، وهكذا فى مثل هذا المقام ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم ، لأنه نكرة ﴿ مَحياهم ﴾ مبتدأ لأنه معرفة والهاء فيه وفى قوله : ﴿ وممَاتُهم ﴾ للذين اجترحوا السيئات وجاز أن تكون للمؤمنين ، وأن تكون للفريقين ، والجملة بدل من الكاف على أنها اسم ، أو من ثابتين بدل اشتمال بدل جملة من مفرد ، أجازه الفارسى وابن مالك ، ولا أقول بذلك ، بل نقدر الاستقرار فعلا ، أى يثبتون أو ثبتوا ، تكون الجملة بدلا من الجملة أو نبدلها من الجار والمجرور لنيابتهما عن الجملة المقدرة ، أو هذه الجملة مفعول ثان بعد مفعول ثان ، كما يتعدد خبر المبتدأ تقول : علمت زيدا علما عاقلا ، ولا مانع من أن يقال : نصيرهم كالذين آمنوا ونصير محياهم ومماتهم سواء .

وأجيز أن تكون بدل بعض أو كل لأنهما كما يكونان فى المفرد يكونان فى الجملة بلا ضمير يرجع للجملة ، إذ لا يرجع الضمير للجملة ، ويجوز أن تكون مستأيفة غير داخلة فى قوله : ﴿ أم حسب ﴾ بمعنى أنه لا بد من الانتصار للمظلوم من الظالم فى الدنيا والآخرة ، بحسب الأصل ، فان لم يكن فى الدنيا حال الحياة كان بعد الموت ، ومعنى النتفاء استواء حياتهم ومماتهم ، أنه لا يُرحم الكافرون كما يرحم المؤمنون ، ولا يُعذب المؤمنون كما يعذب المشركون ، ولو استووا فى الدنيا بالحياة ومطلق الرزق ، والمؤمنون مرحومون دنيا وأخرى ، والكفار دنيا فقط ، وحياة المؤمن على الطاعة ، والكافر على المعصية ، وموت المؤمن بالرضوان ، والكافر بالخذلان ، ولا يستوى المؤمن والكافر فى الآخرة ، كما استويا فى رزق الدنيا وحياتها ، بل للكافر النار ، للمؤمن الجنة ﴿ ساءَ ما يحْكمُون ﴾ ساء حكمهم بالمساواة على طريق الأخبار ، ويجوز أن يكون إنشاء للذم والمخصوص محذوف أى ساء حكمهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٤