وَٱلَّذِی قَالَ لِوَٰلِدَیۡهِ أُفࣲّ لَّكُمَاۤ أَتَعِدَانِنِیۤ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِی وَهُمَا یَسۡتَغِیثَانِ ٱللَّهَ وَیۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ فَیَقُولُ مَا هَٰذَاۤ إِلَّاۤ أَسَٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ١٧
الرسم الإملائيّ
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
الجزء ٢٦الربع ٢٠١ صفحة ٥٠٤
تفسيرها
}وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴿ أن أبعث، ﴾وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴿ فلم يرجع منهم أحد، ﴾وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴿ يقلان: الغياث بالله منك؛ أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإيمان: ﴾وَيْلَكَ آَمِنْ﴿ أي: يقولان له: » ويلك« وهو الدعاء بالثبور بالحث على ما يخاف على تركه، ﴾إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17){ أباطيل الأولين التي كتبوها.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٢٧
قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ﴾ أي : أن أبعث ﴿ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي ﴾ أي : فلم يبعثوا . قال : ﴿ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله وَيْلَكَ آمِنْ ﴾ أي يقولان له : ويلك آمن ﴿ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ أي القيامة ، ﴿ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ أي : كذب الأولين وباطلهم .
نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر قبل أن يسلم ، وفي أبويه أبي بكر وامرأته أم رومان ، وهي أم عائشة ، كانا يقولان له قبل أن يسلم هذا القول ، فيقول هو هذا القول الذي أجابهما به .
قال الله عز وجل جواباً لقول عبد الرحمن في القرون التي قد خلت فلم يبعثوا : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ [ أي : وجب عليهم الغضب ] ﴿ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ ﴾ أي : مع أمم قد خلت ﴿ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ ﴾ صاروا إلى النار ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٢٧
﴿ والَّذى قال لوالديْه ﴾ حين دعواه الى الايمان بالله ورسوله والبعث ، وهو مبتدأ خبره أولئك الَّذين حق عليهم القول ، والمراد جنس من نازع أبويه فى الاسلام ، والبعث بدليل الاخبار عنه بأولئك الذين حق عليهم الخ ، والمراد العموم ، ولو نزلت فى واحد فقيل هو عبد الرحمن ابن أبى بكر ، نازع أبويه فى الاسلام والبعث ، ثم أسلم ، وبه قال ابن عباس ، وكان من الصحابة ، وكان له غناء يوم اليمامة وغيره والاسلام يجب ما قبله ، ولا يعارض ذلك بقوله تعالى : ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ الخ فانه غير شامل له ، لأن الحكم على الجنس لا يستغرق أفراده ، فهذا كسائر ما نزل من القرآن فى كفار قريش ، ثم يسلم بعض ، فلا يشمله حكم السوء ، ولو كان هو سبب النزول ، وذلك أولى من تقدير بعض فى قوله تعالى : ﴿ أولئك الذين ﴾ صنف هذا المذكور .
وكذا قال السهيلى نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فان قاعدة القرآن أن لا يقال لمشرك : انه حق عليه القول الا من قضى الله عليه أن سيموت مشركا ، كان يدعوه أبواه الى الاسلام فيأبى ويقول : أحيوا لى عبد الله بن جدعان ، وعامر بن كعب ، ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون ثم أسلم وكذا تأخر اسلام جده أبى قحافة ، وكذا قال مروان : نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فقال له : ألست الذى قال لوالديه أف لكما الخ ، فأجابه عبد الرحمن : ألست الذى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك وأنت فى صلبه ، وليست الآية فىَّ ، وقالت عائشة لمروان ثلاثا : كذبت ، والله ما نزلت فيه ، ولو شئت لسميت من نزلت فيه .
ويروى أنه كتب معاوية الى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد ، فخطب فأمر له بالبيعة ، فقال عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية ، أتبايعون بأبنائكم؟ فقال مروان : يا أيها الناس ، هذا الذى قال الله فيه : ﴿ والذى قال لوالديه أف لكما ﴾ وسمعت عائشة ، وقد التجأ اليها عبد الرحمن ، فنجا وقد قال : خذوه ، وغضبت وقالت : من وراء الحجاب : والله ما هو به ، ولو شئت لسميته ، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت فى صله ، فأنت فضض من لعنة الله ، ما أنزل الله تعالى : فينا شيئا من القرآن الا ما أنزل الله فى سورة النور من براءتى ، وقيل : الآية فى كل كافر عاق لوالديه ، وقيل فى كل من دعاه أبواه الى الاسلام فأبى ، قال بعض : وهو الصحيح ، واللام فى قوله :
﴿ أفٍّ لكما ﴾ لبيان من أفف له ﴿ أتَعِداننى أن أخْرج ﴾ من قبرى حيا بعد موتى ﴿ وقَد خَلَت ﴾ مضت ، والواو للحال ﴿ القرون من قَبْلى ﴾ موتى ، ولم يخرج منهم أحد ولو خرج أحد الآن لعلمنا أنهم يخرجون فى اليوم الذى تقول : انهم يخرجون فيه ، وقيل : المعنى وقد خلت القرون من قبلى على التكذيب بالبعث ، وأنا على ما مضوا عليه ، وهذا استدلال على انكار البعث ﴿ وهُما يَسْتغِثانِ الله ﴾ يدعوان برغبة ولهف أن يوفقه الى الايمان ، أو يلتجئان الى الله أن يعصمهما من كفر ولدهما وعذابه ﴿ ويْلَك آمِن ﴾ بالبعث ﴿ إنَّ وعد الله حَقّ ﴾ مفعول لحال محذوفة من ألف يستغيثان مقدر ، لأن وقت الاستغاثة غير نفس وقت الحال ، بل بعده ، وان شئت فقل مقارنة لتقارب الوقتين ، كأنهما وقت واحد ، تقديرها قائلين : « ويلك آمن » الخ وان شئت فقل مقارنة بوجه آخر هكذا متصفين بهذا القول ، بقطع لنظر عن كونه ماضيا أو آتياً ، أو قدر القول مرفوعا خبرا ثانيا ، أى قائلان ، أو يقولان : « ويلك آمن إن وعد الله حق » .
وليس المراد الدعاء عليه بالهلاك ، بل التنبيه على أن ما هو فيه موجب له أو حقيق ، بأن يدعى له بالهلاك قيل أو للتنبيه ، على أن الأمر الذى أمراه به مما يحسد عليه ، ويدعى عليه لأجله بالهلاك للحسد كما يقال : ويلك دم على ما انت عليه من الكرم وغير ذلك من ألفاظ السوء التى تذكر فى الخير ، والجملة تعليل لآمن جملى ، كما قرأ الأعرج وعمرو بن فائد بفتح همزة ان تعليلا افراديا أى لأن وعد الله حق ، أو يقدرآمن بأن وعد الله حق على غير التعليل ، وتقدير لام التعليل أولى لموافقة كسر ان ، فان كسرها على التعليل الجملى ، ولو احتمل الاستئناف فى كلامهما .
﴿ فيقُول ما هذا ﴾ أى ام الذى تدعوان اليه من الاخراج من القبر بالبعث ﴿ إلاَّ أسَاطيرُ الأولينَ ﴾ على حذف مضاف أى بعض أساطير الأولين ، أو اعتبر فىلأخبار عنه بالجمع نظرا الى اما اشتمل عليه الاخراج من القبر بالحساب والثواب والعقاب ، وأساطير جمع أسطورة بصيغة التفخيم ، كأعجوبة وأحدوثة ، أى شىء مستعظم من جيهة الاخبار به ، التلهى وهى ما سطر أى كتب فى أخبار الأوائل التى لا حقيقة لها .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٢٧