سورة الأحقاف
الجزء الأحقاف · صفحة ٠﴿ والَّذى قال لوالديْه ﴾ حين دعواه الى الايمان بالله ورسوله والبعث ، وهو مبتدأ خبره أولئك الَّذين حق عليهم القول ، والمراد جنس من نازع أبويه فى الاسلام ، والبعث بدليل الاخبار عنه بأولئك الذين حق عليهم الخ ، والمراد العموم ، ولو نزلت فى واحد فقيل هو عبد الرحمن ابن أبى بكر ، نازع أبويه فى الاسلام والبعث ، ثم أسلم ، وبه قال ابن عباس ، وكان من الصحابة ، وكان له غناء يوم اليمامة وغيره والاسلام يجب ما قبله ، ولا يعارض ذلك بقوله تعالى : ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ الخ فانه غير شامل له ، لأن الحكم على الجنس لا يستغرق أفراده ، فهذا كسائر ما نزل من القرآن فى كفار قريش ، ثم يسلم بعض ، فلا يشمله حكم السوء ، ولو كان هو سبب النزول ، وذلك أولى من تقدير بعض فى قوله تعالى : ﴿ أولئك الذين ﴾ صنف هذا المذكور .
وكذا قال السهيلى نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فان قاعدة القرآن أن لا يقال لمشرك : انه حق عليه القول الا من قضى الله عليه أن سيموت مشركا ، كان يدعوه أبواه الى الاسلام فيأبى ويقول : أحيوا لى عبد الله بن جدعان ، وعامر بن كعب ، ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون ثم أسلم وكذا تأخر اسلام جده أبى قحافة ، وكذا قال مروان : نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر ، فقال له : ألست الذى قال لوالديه أف لكما الخ ، فأجابه عبد الرحمن : ألست الذى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك وأنت فى صلبه ، وليست الآية فىَّ ، وقالت عائشة لمروان ثلاثا : كذبت ، والله ما نزلت فيه ، ولو شئت لسميت من نزلت فيه .
ويروى أنه كتب معاوية الى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد ، فخطب فأمر له بالبيعة ، فقال عبد الرحمن : لقد جئتم بها هرقلية ، أتبايعون بأبنائكم؟ فقال مروان : يا أيها الناس ، هذا الذى قال الله فيه : ﴿ والذى قال لوالديه أف لكما ﴾ وسمعت عائشة ، وقد التجأ اليها عبد الرحمن ، فنجا وقد قال : خذوه ، وغضبت وقالت : من وراء الحجاب : والله ما هو به ، ولو شئت لسميته ، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت فى صله ، فأنت فضض من لعنة الله ، ما أنزل الله تعالى : فينا شيئا من القرآن الا ما أنزل الله فى سورة النور من براءتى ، وقيل : الآية فى كل كافر عاق لوالديه ، وقيل فى كل من دعاه أبواه الى الاسلام فأبى ، قال بعض : وهو الصحيح ، واللام فى قوله :
﴿ أفٍّ لكما ﴾ لبيان من أفف له ﴿ أتَعِداننى أن أخْرج ﴾ من قبرى حيا بعد موتى ﴿ وقَد خَلَت ﴾ مضت ، والواو للحال ﴿ القرون من قَبْلى ﴾ موتى ، ولم يخرج منهم أحد ولو خرج أحد الآن لعلمنا أنهم يخرجون فى اليوم الذى تقول : انهم يخرجون فيه ، وقيل : المعنى وقد خلت القرون من قبلى على التكذيب بالبعث ، وأنا على ما مضوا عليه ، وهذا استدلال على انكار البعث ﴿ وهُما يَسْتغِثانِ الله ﴾ يدعوان برغبة ولهف أن يوفقه الى الايمان ، أو يلتجئان الى الله أن يعصمهما من كفر ولدهما وعذابه ﴿ ويْلَك آمِن ﴾ بالبعث ﴿ إنَّ وعد الله حَقّ ﴾ مفعول لحال محذوفة من ألف يستغيثان مقدر ، لأن وقت الاستغاثة غير نفس وقت الحال ، بل بعده ، وان شئت فقل مقارنة لتقارب الوقتين ، كأنهما وقت واحد ، تقديرها قائلين : « ويلك آمن » الخ وان شئت فقل مقارنة بوجه آخر هكذا متصفين بهذا القول ، بقطع لنظر عن كونه ماضيا أو آتياً ، أو قدر القول مرفوعا خبرا ثانيا ، أى قائلان ، أو يقولان : « ويلك آمن إن وعد الله حق » .
وليس المراد الدعاء عليه بالهلاك ، بل التنبيه على أن ما هو فيه موجب له أو حقيق ، بأن يدعى له بالهلاك قيل أو للتنبيه ، على أن الأمر الذى أمراه به مما يحسد عليه ، ويدعى عليه لأجله بالهلاك للحسد كما يقال : ويلك دم على ما انت عليه من الكرم وغير ذلك من ألفاظ السوء التى تذكر فى الخير ، والجملة تعليل لآمن جملى ، كما قرأ الأعرج وعمرو بن فائد بفتح همزة ان تعليلا افراديا أى لأن وعد الله حق ، أو يقدرآمن بأن وعد الله حق على غير التعليل ، وتقدير لام التعليل أولى لموافقة كسر ان ، فان كسرها على التعليل الجملى ، ولو احتمل الاستئناف فى كلامهما .
﴿ فيقُول ما هذا ﴾ أى ام الذى تدعوان اليه من الاخراج من القبر بالبعث ﴿ إلاَّ أسَاطيرُ الأولينَ ﴾ على حذف مضاف أى بعض أساطير الأولين ، أو اعتبر فىلأخبار عنه بالجمع نظرا الى اما اشتمل عليه الاخراج من القبر بالحساب والثواب والعقاب ، وأساطير جمع أسطورة بصيغة التفخيم ، كأعجوبة وأحدوثة ، أى شىء مستعظم من جيهة الاخبار به ، التلهى وهى ما سطر أى كتب فى أخبار الأوائل التى لا حقيقة لها .