فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ یَوۡمَ یَرَوۡنَ مَا یُوعَدُونَ لَمۡ یَلۡبَثُوۤا۟ إِلَّا سَاعَةࣰ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغࣱۚ فَهَلۡ یُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ٣٥
الرسم الإملائيّ
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ
الجزء ٢٦الربع ٢٠٢ صفحة ٥٠٦
تفسيرها
}وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴿؟ والإشارة إلى العذاب، ﴾قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)﴿بكفركم في الدنيا. ﴾فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴿ أولوا الثبات والجد منهم، وأولوا العزم: أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها؛ ومشاهرهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى،﴾وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴿ لكفار قريش، وغيرهم من أهل عصره، فإنه نازل بهم فغي وقته لا محالة، ﴾كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴿ من العذاب،﴾لَمْ يَلْبَثُوا﴿في الدنيا، ﴾إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴿ استقصروا مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة، ﴾بَلَاغٌ﴿ هذا الذي وعظتم به، أو هذه السورة بلاغ، أي: كفاية أو تبليغ من الرسول، ﴾فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35){؟ الخارجون عن الطاعة.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٤٥
قوله : ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ قال بعضهم : أولو العزم من الرسل خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام . يقول : اصبر يا محمد كما صبروا هم جميعاً . وأولو العزم في تفسير الحسن أولو الصبر . وبعضهم يقول : أولو الحزم . وتفسير الكلبي : يعني من أمر بالقتال من الرسل .
قال : ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ يعني المشركين : لا تستعجل لهم بالعذاب . كقوله : ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ [ الطارق : 17 ] . وهذا وعيد لهم .
﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ ﴾ يعني العذاب ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ ﴾ تفسير الحسن : في هذا الذي وصفت من إهلاك القرون ، وفيما أخبر أنه يهلك كفار آخر هذه الأمة بقيام الساعة بلاغ . وفيها إضمار : يقول : في هذا الذي أخبرت بلاغ . ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ ﴾ أي : بعد البلاغ ﴿ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي : المشركون .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٤٥
﴿ فاصْبر ﴾ اذا رسخ ما ذكر من عقاب الكفر ، وقدرة الله فى قلبك يا محمد فاصبر على ما يصيبك من الكفرة من الضر ﴿ كَما صَبر أولُوا العَزم من الرُّسل ﴾ على ما أصابهم من ضر الكفرة ، والعزم الاجتهاد فى الشىء والصدر عليه ، ومن للبيان أى هم الرسل ، فالرسل كلهم أو العزم ، لأنهم كلهم اجتهدوا فى التبليغ والجد والقوة فى الدين ، والصبر على الأذى والمصائب ، وقضاء الله تعالى ، والجمهور على أن من للتبعيض ، فأولو العزم بعضهم ، قال الحسن بن الفضل : ثمانية عشر ذكروا فى سورة الأنعام ، ذكرهم الله تعالى وقال : ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ وقيل : نوح صبر على أذى قومه ألف سنة إلا خمسين ، وابراهيم ألقى فى النار ، واسماعيل صبر على الذبح ، ويعقوب على فقد ولده يوصف ، ويوسف على البئر والسجن ، وأيوب على بلائه ، وموسى إذ قال : ﴿ إنا لمدركون ﴾ وداود بكى على خطيئته أربعين سنة ، وعيسى على فقره واعراضه عن الدنيا بالكلية ، وقال : انها معبر فاعبروها ولا تعمروها .
وقيل : سبعة : آدم ، ونوح ، وابراهيم ، وموسى ، وداود ، وسليمان ، وعيسى ، وقيل : ستة : نوح ، وهود ، وصالح ، وداود ، وموسى ، وسليمان ، وهو رواية عن ابن عباس ، وقيل : نوح ، وابراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، وأيوب ، وقيل : المذكورون على نسق فى سورة الأعراف والشعراء ، لمكاثرتهم على أعداء الله عز وجل ، ونوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، وموسى ، أمروا بالجهاد وهو قول الكلبى ، وعن قتادة : نوح ، وهود ، ابراهيم ، وشعيب ، وموسى ، وقيل الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعجلته ، وقوله تعالى : ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ وقال عبد الرزاق : نوح ، وابراهيم ، وموسى ، وعيسى ، قيل : وهو أصح الأقوال ، وصحح السيوطى أنهم الأربعة ، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم .
أولو العزم نوح والخليل كلاهما … وموسى وعيسى والنبى محمد
وفى لفظ :
أولو العزم نوح والخليل والممجد … وموسى وعيسى والحبيب محمد
لما أمر الله تعالى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر أولو العزم صبر ، وكان فى عدادهم ، وأولو العزم فى الآية غيره ، ثم التحق بهم ، وهم الخصوصون بعد تعميم فى قوله تعالى : ﴿ وإذا خذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم ﴾ وتلك الأقوال كلها على الآية ، ويزداد على ما فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى البيهقى : أنهم : نوح ، وهود ، وابراهيم ، وارابعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهر حديث : ان الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا « وروى مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا ، واعترض اليهود والنصارى على المسلمين فى هذه الكثرة ، زعموا أن عددهم لا يجاوز خمسين ، ويرد عليه بأنه لا حجر على الله فى تكثيرهم ، وله تعالى أن يجعلهم ألوفاً من الملايين ، وله أن يجعل ذلك رسلا ، فكيف بالأنبياء .
وفى فتوحات ابن العربى : فى كل عصر من الأمة المحمدية مائة ألف ولى لله تعالى واربعة وعشرون ألف ولى ، عدد الأنبياء ، والله أعلم بصحة ذلك .
ولعل اليهود والنصارى ، المنكرين لكثرة الأنبياء توهموا أنهم رسل وأخطأوا ، ولا حجر على الله تعالى ، زعموا أن كثرتهم من عجائب دين الاسلام ، وزعم بعض النصارى أنه قال بعض المسلمين : ان الأنبياء ألف ألف وأكثر ، وهو كذب لا قائل بذلك ، وان قيل لم يقبل ، وقال اللقانى فى شرح الجوهرة الأولى أن لا يعترض لحصرهم لقوله تعالى : ﴿ ومنهم من لم نقصص ﴾ وفيه أن عدم القص لا ينافى الايحاء بعددهم ، قال : وحديث مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا الخ فى بعض سنده ضعف .
﴿ ولا تَسْتَعجل ﴾ بالدعاء أو التمنى ﴿ لَهُم ﴾ لكفار مكة عذابا ، فاته قريب منهم ﴿ كأنَّهُم يوم يَرونَ ما يُوعَدونَ ﴾ من العذاب ، ويوم حال من الهاء ، ولو كان أصلها مبتدأ لوجود معنى الحدث بكان ، وهو التشبيه ، وأجيز تعليقها بكان ، مع أنها حرف لذلك ﴿ لَم يَلْبثُوا ﴾ فى الدنيا ﴿ إلا ساعة ﴾ يسيرة ﴿ مِن نَهارٍ ﴾ قصير لشدة العذاب وطوله ﴿ بلاغ ﴾ هذا الذى وعظوا به بلاغ وهو كلام من الله تعالى ، أو يقدر قل لهم : هذا الذى وعظتم به بلاغ ، والبلاغ الكافية أو اسم مصدر هو التبليغ ، أى تبليغ عظيم لا عذر لكم معه ، ويدل له قراءة بلغ بشد اللام مكسورة ، واسكان الغين ، وقراءة بلغ بفتح الكل ، وشد اللام ، وقيل : الاشارة الى القرآن أو ما ذكر من السورة ، ويجوز أن تكون الاشارة المقدرة الى اللبث ، أى هذا اللبث الذى لبثتم بلاغ ، أى شىء قليل ، كما قال : « متاع قليل » ﴿ فَهَل يُهْلَك إلا القَوم الفاسِقُون ﴾ الخالون عن الاتعاظ والطاعة .
قال أنس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا طلبت حاجة وأجبت أن تنجح فقل الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلى العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم ، باسم الله الذى لا إله إلا هو الحى الحليم ، سبحان رب العرش العظيم ، الحمد لله رب العالمين ، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية أو ضحاها ، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساجة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ، اللهم إنى أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والسلامة من كل إثم ، والغنيمة من كل بر ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، اللهم لا تدع لى ذنبا الا غفرته ، ولا هما إلا فرجته ، ولا دينا إلا قضيته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها يا أرحم الراحمين » يعنى يذكر بعد ذلك حاجته أو يقصدها فيما يصلح لها من ألفاظ هذا الدعاء ، مثل أن يقصدها عند قوله : ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٤٥