مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِی وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِیهَاۤ أَنۡهَٰرࣱ مِّن مَّاۤءٍ غَیۡرِ ءَاسِنࣲ وَأَنۡهَٰرࣱ مِّن لَّبَنࣲ لَّمۡ یَتَغَیَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرࣱ مِّنۡ خَمۡرࣲ لَّذَّةࣲ لِّلشَّٰرِبِینَ وَأَنۡهَٰرࣱ مِّنۡ عَسَلࣲ مُّصَفࣰّىۖ وَلَهُمۡ فِیهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدࣱ فِی ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَاۤءً حَمِیمࣰا فَقَطَّعَ أَمۡعَاۤءَهُمۡ١٥
الرسم الإملائيّ
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ
الجزء ٢٦الربع ٢٠٣ صفحة ٥٠٨
تفسيرها
}مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴿ أي: فيما قصصنا عليك من صفتها العجيبة، ﴾فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ﴿ غير متغير طعمه وريحه، ﴾وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴿ لذيذة لا تكون فيها كراهة،﴾وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴿ لم يخالطه شمع وقاذورات النحل؛ وفي ذلك مثل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ بها في الدنيا، بالتجريد عما ينقصها وينغصها، والوصف بما يوجب عذوبتها واستمرارها، ﴾وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴿ (لعله) مما تشتهيه أنفسهم، ﴾وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴿ (لعله) والستر لذنوبهم، من أجل النعم، حيث لم يؤاخذوا بها كمثل الكفار، كما أن إحباط أعمال الكفار من أشد التحسر حيث ]لم[ يثابوا بها كما أثيب المؤمنون (لعله) بأعمالهم، فصارت ثوب المؤمنين نعمة لهم بها في الجنة، وصارت (لعله) أعمال الخير للكافرين عذابا لهم في النار، كما قال: ﴾…أعمالهم حسرات عليهم﴿ . ﴾كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴿ يعني: المتقين أهل الجنة كمن خالد في النار، ﴾وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴿مكان الأشربة المستلذة، ﴾فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15){ من فرط الحرارة.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٦٠
قوله عزّ وجلّ : ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ أي : مثل صفة الجنة ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ ﴾ أي : غير متغيّر ﴿ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾ أي : لم يخرج من ضروع المواشي فيتغيّر . ﴿ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ ﴾ أي : لم يعصره الرجال بأقدامهم ﴿ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ﴾ أي : لم يخرج من بطون النحل .
ذكروا عن كعب أنه قال : دجلة في الجنة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله ، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله ، والنيل عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله ، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله .
ذكروا أن أربعة أنهار من الجنة : سيحون وجيحون والنيل والفرات .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسرِيَ به قال : « ثم رفعت لنا سدرة المنتهى ، فإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، ونبقها مثل قلال هجر . وإذا أربعة أنهار يخرجون من أصلها : نهران باطنان ، ونهران ظاهران . قلت يا جبريل : ما هذه الأنهار؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات » .
قوله : ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ تفسير الحسن : ما يعرفونها في الدنيا وما لا يعرفون . وتفسير بعضهم في قوله : ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ [ البقرة : 25 ] أي : في الدنيا ، يعرفونه باسمه .
قال بعضهم : أهبط الله من الجنة إلى الأرض ثلاثين ثمرة؛ عشرة يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها ، وعشرة يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها ، وعشرة يؤكل داخلها وخارجها .
قال : ﴿ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ﴾ . وهذا على الاستفهام . يقول : أهؤلاء المتّقون الذين وُعِدوا الجنة فيها ما وصف الله ، كمن هو خالد في النار كما وصف الله ، أي : ليسوا سواء .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٦٠
﴿ مَثَل الجنَّة الَّتى وعد المتَّقُون ﴾ صفتها العجيبة كبعض الأمثال الغريبة ، وهو مبتدأ خبره محذوف ، أى فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، أو فيما قصصنا عليك مثل الجنة ، وقيل فيما يتلى عليكم ما تستمعون ، وفسره بقوله عز وجل : ﴿ فيها أنهارٌ ﴾ وقدره بعض هكذا ظاهر فى نفس من وعى هذه الأوصاف ، وقيل : الخبر هو قوله : ﴿ فيها أنهار ﴾ ولا تحتاج لرابط لأنها نفس المبتدأ فى المعنى أو الخبر ، هذه المجملة ، ومثل زائد أى الجنة فيها أنهار ، وهو ضعيف ، وقيل : الخبر ﴿ كمن هو خالد فى النار ﴾ وانما أنهار ، وهو ضعيف ، وقيل : الجنة لظهور أن من اشتبه عليه حال المتمسك بالبينة ، وحال التابع لهواه ، اشتبه عليه أن مثل الجنة الخ كمن هو خالد فى النار ، وكأنه قيل : مثل ساكن الجنة ، كمن هو خالد فى النار ، كقوله : ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الخ .
﴿ مِن ماءٍ غير آسِن ﴾ متغير الطعم أو الريح لنحو طول المكث ، والفعل كنصر ينصر ، وضرب يضرب ، وعلم يعلم ، وهو لازم ، ومن متعلق بمحذوف نعت لأنهار للبيان أو للتبعيض ، أو للابتداء وكذا فى قوله : ﴿ وأنهارٌ من لبنٍ لمْ يتغيَّر طَعْمه وأنهارٌ من خَمْر لذةٍ للشَّاربين وأنهارٌ من عَسلٍ مُصطفَّى ﴾ فى معانى من معنى من ، وكون ما بعد النكرة نعتا لها ، وتغير الطعم فى اللبن بالحموضة ، وتغير الريح لا يفارق تغير طعام ، أو شراب لذ ، ويجوز كونه هنا مصدرا للمبالغة ، كأنها نفس الالتذاذ ، واحترز به عن كراهة ريح خمر الدنيا ، والسكر بها وحموضتها ، ولا لذة فى نفس شرب خمر الدنيا ، ولذلك قيدها بلذة ، ومعنى وصف العسل بالتصفية خلوصه من شمع وفضلات النحل وغيرها ، وذلك شرب ، وما يجرى مجرى الشراب .
وبدأ بالماء لأنه أفضل المشروبات لذة اذا احتيج اليه فى الدنيا ، وتعالج به الأطعمة فيها ، ولا يغنى عنه شراب ، وهو يغنى عن سائر الأشربة ، وأيضا هو مركب الطعام ، وبه يسى الطعام فى العروق ، ثم باللبن لأنه يجرى مجرى الطعام ، ولا سيما عند البدويين ، ولأنه يتولد منه غيره كالزبد والسمن والأقط وغير ذلك ، ثم بالخمر لأنه اذا حصل الرى والشبع تشوقت النفس لى ما تلذ به ، وأخر العسل لأنه شفاء ، ولا مرض فى الجنة ، وذلك الماء لم يمسه يد ، ولا عالجت خرجه ، بل يروى أنه يجىء الفم ، وذلك البن لم يعالج بيد ، ولا جرى من بين فرث ودم ، وتلك الخمر لم تعصرها يد ولا رجل ، ولا أصلها شىء عصر منه ، وذلك العسل لم يجر من نحل ، وكل ذلك خلقة من الله . ومما ذكر فى الأخبار ما روى عن الكلبى : ان نهر دجلة نهر الخمر فى الجنة ، وأن عليه ابراهيم عليه السلام ، وجيحون نهر الماء فيها ، ويسمى نهر الرب ، والفرات نهر اللبن لذرية المؤمنين ، والنيل نهر لعسل ، وفى البيهقى عن كعب الأحبار : النيل نهر العسل ، ودجلة نهر اللبن ، والفرات نهر الخمر ، وسيحان نهر الماء فى الجنة ، وعن كعب الأحبار : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ، ونهر الفرات نهر لبنهم ، ونهر مصر نهر خمرهم ، ونهر سيحان نهر عسلهم ، وهذه الأنهار تخرج من الكوثر كذا قيل ، ولفظ مسلم عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« سيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة » فيقال ذلك على حقيقته ، وأن الجنة مخلوقة الآن ، والمعنى أنها تصير فى الجنة ماء الجنة وخمرها ولبنها وعسلها ، أو فى الآن فيها على تلك الأوصاف ، ولما خرجت الى الدنيا تغيرت .
وعنه صلى الله عليه وسلم : « إن فى الجنة بحر العسل وبحر الماء ، وبحر الخمر ، وبحر اللبن ثم تشقق الأنهار » رواه الترمذى ، وسيحان وجيحان من بلاد الأرمن نهران عظيمان جدا ، سيحان فى أدرنة ، وجيحان فى المصيصة ، وأكبرهما جيحان ، وهما غير سيحون وجيحون ، والله أعلم بصحة ذلك ، وعلى صحته يكثر الله ماء تلك الأنهار ، ويفرقها على أهل الجنة ، وينبعها من حيث شاء ، ويعلى منها ما زاد ، والله على كل شىء قدير .
﴿ ولَهُم فيها ﴾ مع الأنهار المذكورة ﴿ مِن كلِّ الثَّمرات ﴾ يتعلق بمحذوف نعت المبتدأ محذوف مخبر عنه بلهم ، أى نوع ثابت من الثمرات ، وقدر بعض زوجان من كل الثمرات لقوله تعالى : ﴿ من كل فاكهة زوجان ﴾ ومن للتبعيض ، ومن أجاز زيادة من فى الايجاب والتصريف أجاز كون كل مبتدأ ، ومما يقال : ولا مانع منه أن فيها كل تمرة ولو حامضة أو مرة أو قاتلة ، أو لا يرغب فيها يصيرها الله غير حامضة ، وغير قاتلة ، وغير مرة ، بل مرغوبا فيها ففيا الحنظل حلوا أو زنجبيلا ، أو على سائر الأوصاف المحمودة ﴿ ومغفرة ﴾ عظيمة مبتدأ محذوف الخبر ، أى ولهم مغفرة عطافة سابق على لاحق ، ولم أعطفه على المبتدأ المخبر عنه بلهم ، لأنه مقيد بقوله : ﴿ فيها ﴾ والمغفرة قبل دخول الجنة ، لا فى الجنة ، وانظر هل يجوز عطفه عليها بدون قيده ، أجازه بعض ، الحققين ، اذ لو قيل : ولهم مغفرة قبلها لجاز ، فليجز اثباتها هكذا ، ولا مانع من أن تعطفه عليه بقيد آخر ، أى ومغفر قبلها ، ولو قلت : لزيد عند حبشى وأمه لم يلزم أن تكون حبشية ، أو بقيد صلاح فى الجنة كتقدير مضاف ، أى ونعيم مغفرة ، أو يراد أثرها وهو النتعم لا النعيم ، لأنه مذكور بما قبل ، إلا أن يراد تعميم فى النعم بعد تخصيص ، أو يراد بها رضوان الله مجازا أو يراد بها أن لا تذكر لهم ذنوبهم لئلا يلقهم وجع الحياء .
﴿ مِن ربِّهم ﴾ نعت مؤكد للمغفرة بعد توكيدها بالتنكير المفيد للتعظيم ﴿ كَمَن هُو خالدٌ فى النَّار ﴾ خبر لمحذوف مقرون باستفهام محذوف للتقرير ، أى أمن هو خالد فى تلك الجنة الموصوفة كمن هو خالد فى النار أو يقدر مؤخر النكتة ، ويقدر الاستفهام فى الخبر ، أى أكمن هو خالد فى النار من هو خالد فى تلك الجنة ، ويبعد كونه بدل كل من قوله :
﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾ وما بينهما اعتراض جىء به لبيان ما يمتاز به فى الآخرة من هو على بينة من ربه فى الدنيا تقريرا لانكار المساواة .
﴿ وسُقُوا ماءً حميماً ﴾ حارا مكان أشربة المؤمين اللذيذة المذكورة ، وفى تسمية ذلك سقيا بعد ذكر ما سقى به المؤمنون تهكم بهم ، فان السقى موضوع لما هو لذيذ للشارب ، واستعمل المطلق إلا ساعة ، ولو مع كراهة ، والجمع باعتبار معنى من ، والجمله فعلية عطفت على اسمية هى قوله : ﴿ هو خالد فى النار ﴾ ﴿ فَقطَّع ﴾ شدد لمبالغة ، كأنه قيل تقتت ثم ترجع باذن الله ﴿ أمْعاءَهُم ﴾ من شدة الحرارة ، والمفرد مع بفتح الميم وكسرها ، وهو ما ينتقل الطعام اليه بعد المعدة اذا أدنى الى وجوههم ذلك الماء شوى وجوههم ، حتى يسقط لحمها وجلدها ، فيبقى العظم ثم يرد كما كان ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم .
روى الترمذى ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الى الجوف فيسلت ما فيه حتى يخرج من قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعاد كما كان » وروى الترمذى ، عن أبى أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يسقى من ماء صديد يتجرعه يقرب الى فيه فيكرهه ، فاذا أدنى منه شوى وجهه ، وقعت فروة رأسه ، فاذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره » قال الله تعالى : ﴿ ماء حميما فقطع أمعاءهم ﴾ ويقول : ﴿ وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه ﴾ وقال : حديث غريب .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٦٠