تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة محمد

الجزء محمد · صفحة ٠
[سورة محمد — آية 15]

﴿ مَثَل الجنَّة الَّتى وعد المتَّقُون ﴾ صفتها العجيبة كبعض الأمثال الغريبة ، وهو مبتدأ خبره محذوف ، أى فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، أو فيما قصصنا عليك مثل الجنة ، وقيل فيما يتلى عليكم ما تستمعون ، وفسره بقوله عز وجل : ﴿ فيها أنهارٌ ﴾ وقدره بعض هكذا ظاهر فى نفس من وعى هذه الأوصاف ، وقيل : الخبر هو قوله : ﴿ فيها أنهار ﴾ ولا تحتاج لرابط لأنها نفس المبتدأ فى المعنى أو الخبر ، هذه المجملة ، ومثل زائد أى الجنة فيها أنهار ، وهو ضعيف ، وقيل : الخبر ﴿ كمن هو خالد فى النار ﴾ وانما أنهار ، وهو ضعيف ، وقيل : الجنة لظهور أن من اشتبه عليه حال المتمسك بالبينة ، وحال التابع لهواه ، اشتبه عليه أن مثل الجنة الخ كمن هو خالد فى النار ، وكأنه قيل : مثل ساكن الجنة ، كمن هو خالد فى النار ، كقوله : ﴿ أجعلتم سقاية الحاج ﴾ الخ .

﴿ مِن ماءٍ غير آسِن ﴾ متغير الطعم أو الريح لنحو طول المكث ، والفعل كنصر ينصر ، وضرب يضرب ، وعلم يعلم ، وهو لازم ، ومن متعلق بمحذوف نعت لأنهار للبيان أو للتبعيض ، أو للابتداء وكذا فى قوله : ﴿ وأنهارٌ من لبنٍ لمْ يتغيَّر طَعْمه وأنهارٌ من خَمْر لذةٍ للشَّاربين وأنهارٌ من عَسلٍ مُصطفَّى ﴾ فى معانى من معنى من ، وكون ما بعد النكرة نعتا لها ، وتغير الطعم فى اللبن بالحموضة ، وتغير الريح لا يفارق تغير طعام ، أو شراب لذ ، ويجوز كونه هنا مصدرا للمبالغة ، كأنها نفس الالتذاذ ، واحترز به عن كراهة ريح خمر الدنيا ، والسكر بها وحموضتها ، ولا لذة فى نفس شرب خمر الدنيا ، ولذلك قيدها بلذة ، ومعنى وصف العسل بالتصفية خلوصه من شمع وفضلات النحل وغيرها ، وذلك شرب ، وما يجرى مجرى الشراب .

وبدأ بالماء لأنه أفضل المشروبات لذة اذا احتيج اليه فى الدنيا ، وتعالج به الأطعمة فيها ، ولا يغنى عنه شراب ، وهو يغنى عن سائر الأشربة ، وأيضا هو مركب الطعام ، وبه يسى الطعام فى العروق ، ثم باللبن لأنه يجرى مجرى الطعام ، ولا سيما عند البدويين ، ولأنه يتولد منه غيره كالزبد والسمن والأقط وغير ذلك ، ثم بالخمر لأنه اذا حصل الرى والشبع تشوقت النفس لى ما تلذ به ، وأخر العسل لأنه شفاء ، ولا مرض فى الجنة ، وذلك الماء لم يمسه يد ، ولا عالجت خرجه ، بل يروى أنه يجىء الفم ، وذلك البن لم يعالج بيد ، ولا جرى من بين فرث ودم ، وتلك الخمر لم تعصرها يد ولا رجل ، ولا أصلها شىء عصر منه ، وذلك العسل لم يجر من نحل ، وكل ذلك خلقة من الله . ومما ذكر فى الأخبار ما روى عن الكلبى : ان نهر دجلة نهر الخمر فى الجنة ، وأن عليه ابراهيم عليه السلام ، وجيحون نهر الماء فيها ، ويسمى نهر الرب ، والفرات نهر اللبن لذرية المؤمنين ، والنيل نهر لعسل ، وفى البيهقى عن كعب الأحبار : النيل نهر العسل ، ودجلة نهر اللبن ، والفرات نهر الخمر ، وسيحان نهر الماء فى الجنة ، وعن كعب الأحبار : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ، ونهر الفرات نهر لبنهم ، ونهر مصر نهر خمرهم ، ونهر سيحان نهر عسلهم ، وهذه الأنهار تخرج من الكوثر كذا قيل ، ولفظ مسلم عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« سيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة » فيقال ذلك على حقيقته ، وأن الجنة مخلوقة الآن ، والمعنى أنها تصير فى الجنة ماء الجنة وخمرها ولبنها وعسلها ، أو فى الآن فيها على تلك الأوصاف ، ولما خرجت الى الدنيا تغيرت .

وعنه صلى الله عليه وسلم : « إن فى الجنة بحر العسل وبحر الماء ، وبحر الخمر ، وبحر اللبن ثم تشقق الأنهار » رواه الترمذى ، وسيحان وجيحان من بلاد الأرمن نهران عظيمان جدا ، سيحان فى أدرنة ، وجيحان فى المصيصة ، وأكبرهما جيحان ، وهما غير سيحون وجيحون ، والله أعلم بصحة ذلك ، وعلى صحته يكثر الله ماء تلك الأنهار ، ويفرقها على أهل الجنة ، وينبعها من حيث شاء ، ويعلى منها ما زاد ، والله على كل شىء قدير .

﴿ ولَهُم فيها ﴾ مع الأنهار المذكورة ﴿ مِن كلِّ الثَّمرات ﴾ يتعلق بمحذوف نعت المبتدأ محذوف مخبر عنه بلهم ، أى نوع ثابت من الثمرات ، وقدر بعض زوجان من كل الثمرات لقوله تعالى : ﴿ من كل فاكهة زوجان ﴾ ومن للتبعيض ، ومن أجاز زيادة من فى الايجاب والتصريف أجاز كون كل مبتدأ ، ومما يقال : ولا مانع منه أن فيها كل تمرة ولو حامضة أو مرة أو قاتلة ، أو لا يرغب فيها يصيرها الله غير حامضة ، وغير قاتلة ، وغير مرة ، بل مرغوبا فيها ففيا الحنظل حلوا أو زنجبيلا ، أو على سائر الأوصاف المحمودة ﴿ ومغفرة ﴾ عظيمة مبتدأ محذوف الخبر ، أى ولهم مغفرة عطافة سابق على لاحق ، ولم أعطفه على المبتدأ المخبر عنه بلهم ، لأنه مقيد بقوله : ﴿ فيها ﴾ والمغفرة قبل دخول الجنة ، لا فى الجنة ، وانظر هل يجوز عطفه عليها بدون قيده ، أجازه بعض ، الحققين ، اذ لو قيل : ولهم مغفرة قبلها لجاز ، فليجز اثباتها هكذا ، ولا مانع من أن تعطفه عليه بقيد آخر ، أى ومغفر قبلها ، ولو قلت : لزيد عند حبشى وأمه لم يلزم أن تكون حبشية ، أو بقيد صلاح فى الجنة كتقدير مضاف ، أى ونعيم مغفرة ، أو يراد أثرها وهو النتعم لا النعيم ، لأنه مذكور بما قبل ، إلا أن يراد تعميم فى النعم بعد تخصيص ، أو يراد بها رضوان الله مجازا أو يراد بها أن لا تذكر لهم ذنوبهم لئلا يلقهم وجع الحياء .

﴿ مِن ربِّهم ﴾ نعت مؤكد للمغفرة بعد توكيدها بالتنكير المفيد للتعظيم ﴿ كَمَن هُو خالدٌ فى النَّار ﴾ خبر لمحذوف مقرون باستفهام محذوف للتقرير ، أى أمن هو خالد فى تلك الجنة الموصوفة كمن هو خالد فى النار أو يقدر مؤخر النكتة ، ويقدر الاستفهام فى الخبر ، أى أكمن هو خالد فى النار من هو خالد فى تلك الجنة ، ويبعد كونه بدل كل من قوله :

﴿ كمن زين له سوء عمله ﴾ وما بينهما اعتراض جىء به لبيان ما يمتاز به فى الآخرة من هو على بينة من ربه فى الدنيا تقريرا لانكار المساواة .

﴿ وسُقُوا ماءً حميماً ﴾ حارا مكان أشربة المؤمين اللذيذة المذكورة ، وفى تسمية ذلك سقيا بعد ذكر ما سقى به المؤمنون تهكم بهم ، فان السقى موضوع لما هو لذيذ للشارب ، واستعمل المطلق إلا ساعة ، ولو مع كراهة ، والجمع باعتبار معنى من ، والجمله فعلية عطفت على اسمية هى قوله : ﴿ هو خالد فى النار ﴾ ﴿ فَقطَّع ﴾ شدد لمبالغة ، كأنه قيل تقتت ثم ترجع باذن الله ﴿ أمْعاءَهُم ﴾ من شدة الحرارة ، والمفرد مع بفتح الميم وكسرها ، وهو ما ينتقل الطعام اليه بعد المعدة اذا أدنى الى وجوههم ذلك الماء شوى وجوههم ، حتى يسقط لحمها وجلدها ، فيبقى العظم ثم يرد كما كان ، فإذا شربوه قطع أمعاءهم .

روى الترمذى ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الى الجوف فيسلت ما فيه حتى يخرج من قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعاد كما كان » وروى الترمذى ، عن أبى أمامة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يسقى من ماء صديد يتجرعه يقرب الى فيه فيكرهه ، فاذا أدنى منه شوى وجهه ، وقعت فروة رأسه ، فاذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره » قال الله تعالى : ﴿ ماء حميما فقطع أمعاءهم ﴾ ويقول : ﴿ وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه ﴾ وقال : حديث غريب .

٤٬٥٦٠ / ٦٬٢٣٦