سورة محمد · الآية ٣٠ من ٣٨

‹ السورة السابقة
وَلَوۡ نَشَاۤءُ لَأَرَیۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِیمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِی لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ٣٠
الرسم الإملائيّ

وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٣ صفحة ٥١٠

تفسيرها

[سورة محمد — آية 30]

}وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴿ لعرفناك بهم الدلائل، فتعرفهم بأعيانهم، ﴾فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴿ بعلاماتهم التي نسمهم بها، من أقوالهم وأعمالهم، أو تعرفهم بأسمائهم كما قال: ﴾وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴿ لحن القول: أسلوبه وإمالته، من جهة التعريض، ومنه قيل للمخطئ: لا حن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب، ﴾وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30){ فيجازيكم على حسب قصدكم إذ الأعمال بالنيات.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٧٥

[سورة محمد — آية 30]

قال الله تعالى : ﴿ وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ﴾ أي : بنعتهم ، أي من غير أن يعرفهم بلحن القول .

قال تعالى : ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ يعني بعللهم الكاذبة وما كانوا يعتذرون به من الباطل في الغزو ، وفيما يكون منهم من القول فيجحدونه ويعتذرون ويحلفون بالله ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى ﴾ [ التوبة : 107 ] . ثم أخبره الله بهم ، فلم يخف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية منافق ، وأَسرَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة . قال : ﴿ وَالله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ من قبل أن تعملوها .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٧٥

[سورة محمد — آية 30]

﴿ ولَو نَشاءُ ﴾ إراءتك اياهم ضمير العظمة هنا ، وفيما بعد على طريق العناية بالارادة ، وكأنه وعده الارادة والا فلو للامتناع ، ويدل على الوعد قوله تعالى : ﴿ ولتعرفنهم فى لحن القول ﴾ فعن أنس : ما خفى عنه لحن منهم بعد نزول : ﴿ فلتعرفنم فى لحن القول ﴾ وعرفهم بسيماهم ايضا ﴿ لأرينْاكهم ﴾ عرفناكهم ، أو أريناكهم بعينيك ﴿ فَلتعرفتكهم ﴾ الفاء للعطف والتفريع ، واللام صحت لأجل العطف على جواب لو المقرون باللام ، كررت للتأكيد ، وكأنها فى جواب لو ، لأن المعطوف على الجواب جواب ، والاراءة بمعنى التعريف ، ولا يلزم فى الجملة من التعريف حصول المعرفة ، فقد يكون منك تعريف لأحد بشىء ولا يعرفه ولا يقيده تعريفك ، فزاد الله تعالى قوله : ﴿ لتعرفنهم ﴾ فلو شاء الله تعالى لم يعرفهم ، ولو جعل لهم سيما ﴿ بِسِيماهُم ﴾ علامتهم ، والمراد الجنس اضافتها للجنس ، وكأنه قيل بعلامات نسمهم بها ، وأرفدت اشارة الى أن علاماتهم متحدة الجنس ، كأنها شىء واحد .

﴿ ولتعْرفنَّهم ﴾ فوالله لتعرفنهم ، القسم وجوابه جملة انشائية معطوفة على خبرية ، هى لو وشرطها وجوابها ﴿ فى لحْن القَول ﴾ الاضافة للجنس ، وكأنه قيل فى طرف القول اذا جاءوك بواحد فهمته ، أو لحن القول الطريق المائلة عن الطريق المعروفة ، كالتعريض والكناية ، والابهام المائلات عن التصريح ، كما يسمى الخطأ فى النطق من حيث الاعراب عنك ، ويخفى عن غيره لنحو البلاغة فى العبارة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض » وقيل : لحن القول هنا الذهاب عن الحق ، ويقرب منه قول ابن عباس : اللحن القول هنا مالنا من الثواب ان أضعنا ، ولا يقولون ما علينا من العقاب ان عصينا ، والصواب أن يقولوه ولم يقولوه لشدة رغبتهم فى ما ينفعهم من الخيرات ، ولكثرة ما يذكر من عقابهم فى القرآن ، وقلة ما يصرح له به لكم كذا ان فعلتم كذا .

وتفسير اللحن بالميل أولى وهو الأكثر فى الكلام ، كما فسر به أولا ، كما قيل : انهم يصطلحون على ألفاظ يخاطبون بها النبى صلى الله عليه وسلم ، مما ظاهره حسن غير مراد ، بل أرادوا بحا أو غيره مما ليس حسنا ، ومن ذلك قولهم ، اذا دعوا إلى النصر : انا معكم ، فيريدوا انا معكم الساعة ، أو فى المدينة ، أو معكم فى القتال بلا اعانة ، والسيمة بالكتابة ، قال أنس : كنا فى غزوة ومعنا تسعة من المنافقين يشكوهم الناس ، فأصبحوا ، وفى وجل كل واحد مكتوبا هذا منافق ، ولا تختص السيما فى الآية بالكتابة ، بل تعم كل ما يعلم به فى أحواله ، وفى حديث مرفوع : « اتقوا فراسة المؤمن فانه ينور الله يبصر » ولفظ البخارى والترمذى ، عن أبى سعيد : « اتقوا فراسة المؤمن فانه يبصر بنور الله عز وجل »

والتعريض بالقذف لا يوجب حد القذف ، كقولك : أنا لا أزنى تعريضا لفلان أنه يزنى ، والآية لا تدل على الحد به ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ خطاب للمؤمنين بالجزاء على أعمالهم الحسنة ، أو للمنافقين بالجزاء على اعمالهم القبيحة ، والأولى عمومهم فهو وعد ووعيد ، كما يدل له قوله تعالى :

﴿ ولنَبلونَّكُم حتَّى نعْلم المجاهدين مِنْكم والصابرين ونَبْلو أخْبارَكُم ﴾ والبلاء الأمر بما يشق كالجهاد ، والصبر هو الصبر على مشاق التكليف ، أى حتى نعلم الجهاد والصبر واقعين بعد علمهما فى الأزل ، وبعده أنهما يقعان أو لا يقعان ، كأنه قيل : حتى يظهر علمنا ، والشىء لايعرف أنه وقع حتى يقع ، ومن قبل وقوعه علم الله أنه سيقع لأنه وقع ، أو العلم هنا عبارة عن لازمه ومسببه وهو الوقوع منهم وقوع الجهاد والصبر ، ومعنى : ﴿ نبلو أخباركم ﴾ نظهر حسنها وقبيحها ، وحسن الخبر وقبحه على حسب المخبر عنه ، والمراد عموم الاخبار ، فيدخل فيها الاخبار أو لا عن الايمان ، وموالاة المؤمنين ، وقيل الاخبار عن ايمان ، وأن الإضافة للعهد .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٧٥