سورة المائدة · الآية ١٣ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِیَةࣰۖ یُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُوا۟ حَظࣰّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَاۤئِنَةࣲ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ١٣
الرسم الإملائيّ

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

الجزء ٦الربع ٤٤ صفحة ١٠٩

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 13]

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ ﴾ طردناهم ، وأخرجناهم من رحمتنا ، ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ يابسة لا رحمة فيها ولا لين ، والقسوة : خلاف اللين والرقة ؛ وقرئ : قسية أي : ردية ، (لعله) مغشوشة . ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ يفسرونها على غير ما أنزلت عقوبة لهم . وهو بيان لقسوة قلوبهم ، لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله ، وتغيير وحيه .

﴿ وَنَسُواْ حَظّاً ﴾ والمعنى : أنهم حرفوا التوراة ، وتركوا حظهم مما أنزل عليهم فيها ، فلم يتأولوه على تأويله ، فتركوه ولم ينالوه ، يعني : أن إعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم . ﴿ مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ أو تركوا نصيب أنفسهم ، مما أمروا به من الإيمان بمحمد  وبعثته . ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي : عادة الخلق الخيانة وقلة الوفاء بما تعبدهم الله به ، ومعاملتهم لبعضهم بعض ، فلا ينبغي أن يستنكر ذلك منهم ، لأنه من طبعهم ، والوفاء منهم نادر قليل . ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ﴾ وهم الذين آمنوا منهم ، ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ ولا تخن مثل ما خانوا ، وأحسن إليهم بفعل ما أمرك به فيهم ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٨٢

[سورة المائدة — آية 13]

قوله : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ﴾ أي فبنقضهم ميثاقهم لعناهم . يعني باللعن المسخ ، فجعل منهم قردة وخنازير؛ مسخوا في زمان داود قردة ، وفي زمان عيسى خنازير . قال : ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ أي غليظة ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ وهو ما حرّفوا من كتاب الله . قال : ﴿ وَنَسُوا ﴾ أي تركوا ﴿ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ في الكتاب . وقال الحسن : تركوا عرى دينهم .

وقال بعضهم : نسوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وعهده الذي عهده إليهم ، وضَيَّعوا فرائضه وعطّلوا حدوده .

قوله : ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ يعني حيث دخل النبي حائطاً لليهود فهمّوا به . وتفسيره في غير هذا الموضع . قال : ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ أي من آمن منهم .

قوله : ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ . قال بعضهم : نسختها هذه الآية : ﴿ قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [ التوبة : 29 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٨٢

[سورة المائدة — آية 13]

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ ﴾ ما صلة للتأْكيد أو نكرة تامة للتعظيم فبنقضهم بدلها والباءِ متعلق بلعن ﴿ ميِثَاقَهُمْ ﴾ عهدهم لله أَن لا يخالفوه وذلك أَنهم كذبوا الرسل بعد موسى وقتلوا الأَنبياءَ وغيروا التوراة وضيعوا الفرائض وكتموا صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . ﴿ لَعَنَّاهُمْ ﴾ أَبعدناهم عنا عقاباً بإِدخال النار والمسخ قردة وخنازير وضرب الجزية ، فاللعن بمعنى التحقير المطلق فشمل ذلك ، أَو من عموم المجاز فإِنه حقيقة فى الإِبعاد والإِبعاد ظاهر فى المسخ وقد فسره الحسن ومقاتل به ، وابن عباس بالجزية وعطاء بمطلق الإِبعاد عن الرحمة ﴿ وَجعَلْنَا ﴾ به أَى بالنقض وحذف للعلم به لا على التنازع لتقدم المعمول ﴿ قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ ممتنعة عن الإِيمان كما لا يتأَثر نحو الحجر بالغمز ، وفى ذلك تلويح إلى تشبيهها بما ليس فيه لين الذهب والفضة كالنحاس يقال درهم قسى أَى زيف فضته صلبة رديئة ليست لينة والمغشوش فيه يبس وصلابة ، وفسر الجعل بترك التوفيق وليست موفقه ثم سلب توفيقها ، بل كقولك أَفسدت سيفك إِذا لم يحدث له فساد ولكن ترك معاهدته بالصقل ، وكقولك جعلت أَظفارك ءلاحك إِذا لم بقصها ﴿ يُحَرِّفُون الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ هذا بعض ما تضمنه قسوة القلب بل هو أَشده فإِن محرف كلام الله مشرك كاثم ماح لدين الله ألبته كاذب عن الله عز وجل ، والكلام بعض التوراة غيروا ما فيها من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها بالمحو تارة وبتبديلها بضدها أخرى ، وبتفسير بغير معناها ، والمواضع معانيها ومحالها من التوراة التى وضعها الله عليها ، والمضارع لحكاية الحال أَو للتجدد ف‘ِنهم يحرفون أَيضاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل ﴿ ولا تزال تطلع ﴾ الخ ﴿ وَنَسَوُا ﴾ تركوا وحقيقته فى الزوال عن الحافظة ، وذلك مبالغة لأَن الذهاب عن الحافظة أَشد إِهمالا مما حضر فيها وأعرض عنه . ﴿ حَظًّا ﴾ نصيبا عظيماً مما أمروا به فيها وهو صفاته على الله عليه وسلم والإِيمان به وغير ذلك ﴿ مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ أمروا به أَمراً يزيل الإِعراض والكسل لمن وفق ، ويجوز إِبقاءِ النسيان على حقيقته فإِنهم لما حرفوا التوراة زال منها عن حفظهم أَشياء منها لا يعرفونها مع أَنها فيها ، ولزوال أَسفار منها وفنائها بشؤم الحريف . قال ابن مسعود رضى الله عنه : قد ينسى الرءُ بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية . وقال الشافعى :

شكوت إِلى وكيع سوء حفظى … فأَرشدنى إِلى ترك المعاصى

وقال اعلم بأَن العلم نور … ونور الله لا يعطى لعاصى

﴿ وَلاَ تَزَالُ ﴾ يا محمد ﴿ تطَّلِعُ ﴾ تظهر ﴿ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ على خيانة ، من المصادر التى على وزن فاعلة كما هو وجه فى لاغية وعاقبة وعافية ، أَو على طائفة خائنة اسم فاعل والتاء للتأْنيث ، أَو على إِنسان خائنة أَى كثير الخيانة أَو عظيمها فهو اسم فاعل والتاء للمبالغة كما يقال فلان راوية أَى كثير الرواية ، أَو فعله خائنة أَى ذات خيانة أَو نفس خائنة ، ومن خيانتهم نقض الميثاق ومظاهرتهم قريشاً على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب جهراً ويوم أُحد سرًا ﴿ إِلاَّ قلِيلاً ﴾ كعبد الله بن سلام ﴿ مِنْهُمْ ﴾ استثناء من الهاء فى منهم أَى إِلا قليلا لا نجد منهم خيانة وهذا واضح ، أَو إِلا قليلا لا نجد منهم طائفة خائنة ، فإِن صح هذا فقبيلة عبد الله بن سلام لا طائفة فيهم خائنة ولو بقوا على الكفر ، وأما على تفسير خائنة بإِنسان كثير الخيانة أَو ما بعده فالاستثناء منقطع ، أَو من هاء قلوبهم أَو واو يحرفون .

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ لا تعاقبهم ﴿ واصْفَحْ ﴾ لا تعاتبهم فقد بلغت إِليهم وأَمرتهم ونهيتهم ، وذلك إِن تابوا وعاهدوا بالجزية وإِلا فلا تعف ولا تصفح بل اقتلهم واذممهم ، أَو اعف واصفح فى حق نفسك واقتلهم ومهم لحق الله فهو صلى الله عليه وسلم لا يأْخذ حقه لنفسه أَلا ترى أَنه عفا عمن سفه عليه ، وفيها أَبحاث ضمنتها شرح نونية المديح ، ويقال : لهذا نهى عن قتالهم ونسخ بآية السيف ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ وقيل الهاء للقليل وقيل الآية على ظاهرها إِلا أَنه نسخت بقوله تعالى : فإِما تخافن من قوم خيانة فانبذ إِليهم على سواء ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ فى حق الكفرة فكيف فى حق المؤمنين .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٨٢