سورة المائدة · الآية ٢ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡیَ وَلَا ٱلۡقَلَٰۤئِدَ وَلَاۤ ءَاۤمِّینَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنࣰاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُوا۟ۚ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُوا۟ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ٢
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

الجزء ٦الربع ٤٣ صفحة ١٠٦

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 2]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ ﴾ (لعله) بالقول ، أو العمل ، أو النية ؛ جمع شعيرة : وهو اسم ما أشعر ، أي : جُعل شعارا وعلما للنسك من ومواقف الحج ، ومرامي الجمار ، والمطاف والمسعى ، والأفعال التي هي علامات الحاجَّ يعرف بها من الإحرام ، والطواف والسعي والحق والنحر ، وقيل : دين الله لقوله : ( ومن يعظم شعائر الله ) أي : دينه ، وقيل : فرائضه التي حدَّها لعباده إحلالُ ما حرمه الله ، ولا حجر ما أباحه الله ، وليس [ لهم ] إلاَّ التسليم لأحكامه جلَّ وعلا ﴿ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ أي : ولا شهر الحجَّ ، ﴿ وَلاَ الْهَدْيَ ﴾ هو ما هُدي إلى البيت ؛ فتُقُرِّب به إلى الله من النسائك ، ﴿ وَلاَ الْقَلآئِدَ ﴾ جمع قلادة : وهو ما قلِّد به الهدي من نعل أو عروة ، مراده أو لحاء شجر أو غيره ﴿ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام ، وهم الحجاج والعَّمار ، ويدخل في ذلك جميع القاصدين لبيوت الله للطاعة ، وإجلاء [ كذا ] هذه الأشياء أن يُتهاون بحرمة الشعائر ، أو أن يُحال بينها وبين المتنسكين بها ، أو أن تُحدثوا في أشهر الحج ما تصدون به الناس عن الحج ، وأن يتعرض للهدى بالغضب ، أو بالمنع من بلوغه محله ، وأما القلائد فجاز أن يراد ذوات القلائد ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ أي : ثوابا ، ﴿ وَرِضْوَاناً ﴾ وأن يرضى عنهم ، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم ، تعظيما لهم ، ومن تعرض لأذاهم أو صدهم عن ذلك ، فقد تعدَّى أمر الله فيهم .

﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ﴾ إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم ، بقوله ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) . ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ولا يحملنكم ، أولا يكسبنَّكم ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ أي : شدة بغضهم وعداوتهم ، ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ وأجرم أي : كسب ، ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدُّوكم الاعتداء لتعتدوا عليهم بغير ما أمر الله ، ولا يحملنكم عليه ، ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ قيل : البر : متابعة الأمر ، والتقوى : (لعله) مجانبة النهي ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ الإثم : ترك المأمور ، والعدوان : فعل المحظور ، وقيل : الإثم : الكفر ، والعدوان : الظلم ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ عباد الله ، ﴿ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ في الدارين لمن عاون على الإثم والعدوان ، ولم يعاون على البر والتقوى .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٧١

[سورة المائدة — آية 2]

قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ ءَامِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ ﴾ .

ذكروا أن رجلاً سأل ابن عمر عن أعظم الشعائر فقال : أوفي شك أنت منه؟ هذا أعظم الشعائر ، يعني البيت .

قوله : ﴿ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ ﴾ فكان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة .

قوله : ﴿ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ ﴾ . ذكروا أن مجاهداً قال : كانوا يعلّقون لحاء الشجر في أعناقهم وكان هذا من الشعائر؛ فقال أصحاب النبي عليه السلام : هذا من أعمال الجاهلية ، فحرّم الله ذلك كله في الإِسلام ، يعني الآية : ﴿ لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ ﴾ ، يعني الحجاج؛ إلا القلائد في أعناق الناس فإنه ترك . ثم أمر بقتال المشركين فقال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ [ التوبة : 28 ] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر ونادى فيه علي بالأذان .

قال بعضهم : كان أحدهم يعلق قلادة من لحاء السمر إذا خرج من مكة فيقول : هذا حرمي ، فلا يعرض له حيثما توجّه؛ فنسخ آمين البيت الحرام ، وهم حجاح المشركين فقال : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . وتفسير آمين ، يؤمون ، [ يقصدون ] البيت الحرام .

وقال الكلبي : إنما كانوا يستحلون فيصيبون الهدي وأصحاب القلائد .

وكانت القلائد أن الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً ليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر ، فأمِن به إلى مكة . وإذا خرج من مكة يعلّق من لحاء شجر مكة فأمِن به إلى أرضه .

قوله : ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ . قال بعضهم : الفضل والرضوان اللذان كانوا يبتغون أن يصلح الله معيشتهم في الدنيا ، ولا يعجل لهم العقوبة فيها . وقال مجاهد : ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ : التجارة .

قال الكلبي : نزلت فيما بلغنا في رجل من بني بكر بن وائل من بني قيس بن ثعلبة؛ قدم على النبي بالمدينة فقال يا محمد ، ما تأمرنا به وما تنهانا عنه؟ فأخبره النبي بالذي له وبالذي عليه في الإِسلام . فلم يرض فقال : أرجع إلى قومي فاعرض عليهم ما ذكرت ، فإن قبلوا كنت معهم ، وإن أدبروا كنت معهم على هذا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لقد دخل علي بوجه كافر ، وخرج من عندي بقفا غادر ، وما الرجل بمسلم » فلما خرج من أرض المدينة مرّ بسرح من أهل المدينة فانطلق به ، فبلغ الخبر أهل المدينة فطلبوه فسبقهم . وحضر الحج ، فأقبل تاجراً حاجاً فبلغ ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يطلبوه فيقتلوه فيأخذوا ما معه ، فنهوا عنه في هذه الآية .

وكان ذلك قبل أن يؤمروا بقتال المشركين .

وقال الكلبي في قوله : ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ : التجارة بعد الحج . وأما الرضوان فالناس كانوا يحجّون بين مسلم وكافر قبل أن تنزل هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ [ التوبة : 28 ] وأصحاب الرضوان المسلمون .

قوله : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ أي إذا رمى أحدكم جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ له كل شيء ، إلا النساء والطيب فحتّى يطوف بالبيت . وهي رخصة إن شاء اصطاد وإن شاء ترك . يقول : ( إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) وقال في آية أخرى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ [ المائدة : 95 ] .

قوله : ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ ﴾ قال بعضهم : لا يحملنكم بغض قوم ﴿ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ﴾ . قال الكلبي : يعني بالقوم أهل مكة؛ يقول : لا تعتدوا عليهم لأن صدوكم عن المسجد الحرام؛ وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم .

وقال مجاهد : هو رجل مؤمن من حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل حليفاً لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة ، لأنه كان يقتل حلفاء النبي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لعن الله من يقتل بذَحْل الجاهلية » .

قال : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ ، قال الحسن : هذا حين صدّوه يوم الحديبية عن المسجد الحرام .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٧١

[سورة المائدة — آية 2]

﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ ﴾ مناسك الحج ودينه الذى حد لعباده وفرضه ، وأَما الذى لم يفرضه وهو النفل فلا يحرم إحلاله لأَنه يحل تركه إِلا أَن يقال إِحلاله اعتقاد أَنه ليس من الدين ، كما أَن تحريم المحرمات من الدين وفعلها إِحلال لها واعتقاد حلها إِحلال لها ، ويجب إتمام النفل بعد الدخول فيه ، وعن ابن عباس : الشعائر المناسك كان المشركون يحجون ويهدون فأَراد المسلمون أَن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك ، وعنه « إِحلال الشعائر أَن تصيد وأَنت محرم » ويقال : الشعائر الهدايا المشعر بالطعن فى أَسنمتها ، قال الله تعالى : ﴿ والبُدْنَ جَعَلْنَاها لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ﴾ وقال : ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرِ الله ﴾ فى دينه ، والمفرد شعيرة بمعنى مشعرة فعيلة بمعنى مفعلة أَى معلمة ، كما يستعمل سميع بمعنى مسمع ، أَو الشعيرة اسم لما جعل علامة وأَعمال الحج ومواقفه وعلاماته ، ودين الله أَعلام قدرته وأَلوهته ، وإِحلال دين الله مخالفته وإِحلال الهدى صده وسلبه عن مشرك جاءَ به ، والصيد فى الإِحرام ، ويقال : شعائر الله الإحرام والطواف والسعى والحلق والنحر وإضافتها لله تعالى تعظيم لها وتهويل المخطب فى إحلالها ، وقيل : ما نصب فرقاً بين الحل والحرم ، وحلها نزعها أَو مجاورتها بلا إحرام إلى مكة ، وقيل الصفا والمروة والهدى ، فالشعور يوقع على تلك المواضع يعلم أَنها مواضع الحج ، وعلى الحاج يعلم الناس بها أنه حاج ، هكذا الأَفعال وإِحلاله سرقته أَو غصبه أَو منعه أَن يصل محله ، كل ذلك حرام ، ﴿ وَلاَ الشَّهرَ الحَرَامَ ﴾ بالقتال فيه والسبى ، ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجبا ، وهو أَكمل الأَشهر الحرم فى هذه الصفة ، وأل للجنس ، وقيل المراد رجب لما مر أَنه أَكمل ، وقيل ذو القعدة ، وعليه عكرمة وقيل الإِحلال فى ذلك النسيىء والأَنسب بالمؤمنين غيره . ﴿ وَلاَ الهَدْىَ ﴾ ما أهدى إلى الكعبة من بعير أَو بقرة أَو شاة ، وغير ذلك مما يتقرب به إلى الله عز وجل ، لا تتعرضوا لذلك والمفرد هدية بإِسكان الدال . ﴿ وَلاَ القَلاَئِدَ ﴾ الأَنعام ذوات القلائد المهداة ، خصها بالذكر بعد لعموم مزيتها أَو نفس القلادات من لحاءِ شجر ونعال فإذا كان لا يتعرض لما قلدت به الأنعام بالأخذ أَو بالإِلغاءِ أَو بالإِفساد ، فأَولى أَن لا يتعرض لهذه الأَنعام التى قلدت كقوله تعالى : ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فأَولى مواضع الزينة من أَبدانهن ، وتعليق القلادة يكون بالعنق ويكون أيضاً بغير لحاءِ الشجر والنعال ، وذلك ليعلم أَنه هدى فلا يتعرض له ، واللحاءِ بالقصر والمد قشر الشجر ، فيجب التصدق به إِن كانت له قيمة ، كما يحب التصدق بما جعل على الهدى من نحو ثوب أَو وطاء ، ويجوز أَن يكون القلائد ما يقلده الجاهلية على أنفسهم وإبلهم من لحاءِ الشجر من الحرم ليأمنوا على أَنفسهم وإبلهم ، وقيل كان أَهل الحرم يقلدون أنفسهم بلحاءِ شجر الحرم ، وغيرهم بالصوف والشعر وغيرهما ، فنهاهم الله عن قطع ذلك من شجر الحرم ، أَو نهى عن التعرض لمن تقلد بذلك ، وهذا ضعيف لأنه يوهم إِبقاءَهم على جواز قطع ذلك وجعله قلادة لهم ولإِبلهم .

﴿ وَلاَ آمِّينَ ﴾ قاصدين ﴿ البَيْتَ الحَرَامَ ﴾ زيارة البيت الحرام مسلمين أَو مشركين ، روى أَن الحكم خلف خيله خارج المدينة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : « إلام تدعو؟ فقال : إِلى شهادة أَن لا إِله إِلا الله وإِقام الصلاة وإِيتاءِ الزكاة . فقال : حسن ، ألا إِن لى أُمراء لا أَقطع أَمراً دونهم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ، ولما خرج قال صلى الله عليه وسلم : دخل بوجه كافر وخرج بعقبى غادر ، وما هو بمسلم » فأَغار على سرح المدينة فأَسرع ولم يلحقوه فجاءَ به هدياً من قابل عام عمرة القضاءِ من اليمامة ، فأَرادوا الإِغارة عليه فنزلت الآية : لا تتعرضوا لهم بمنعهم عن الزيارة أَو بأَذاهم أَو بما يفسد إِحرامهم أَو بقتلهم ، وقدر بعض قتال آمين أَو أَذى أَمين ، ونصب آمين المفعول به لأَنه للحال . ﴿ يَبْتَغْونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ حال من الضمير المستتر فى آمين ، والفضل الرزق ، والرضوان ثواب الآخرة . روى أن الآية نزلت عام القضية فى حجاج اليمامة لما هم المسلمون أَن يتعرضوا لهم بسبب أَنه كان فيهم الحكم بن ضبيعة ، وكان قد أستاق سرح المدينة ، فالآية منسوخة والمراد عام عمرة القضاءِ ويروى أن الحكم ابن ضبيعة أتى النبى صلى الله عليه وسلم من اليمامة إِلى المدينة فعرض عليه صلى الله عليه وسلم الإِسلام فلم يسلم ، فلما خرج من عنده مر بسرح أَهل المدينة فساقها وانتهى إِلى اليمامة ، ثم خرج من هناك نحو مكة وقد قلد ما نهب من سرح المدينة وأَهداه إِلى الكعبة ومعه تجارة عظيمة ، فهم أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يغيروا على أَمواله ، فنزل قوله تعالى : ﴿ ولا آمين . . . إلخ ﴾ أَى لا تحلوها لالإِغارة عليها ، وقيل المراد بالآمين المشركون ، والفضل ربح التجر ، والفضل ما فى زعمهم ويناسبه ما قيل من نزول الآية فى الحكم المذكور ، وهو من بنى ربيعة ويقال الحكم بن هند ، وما قيل أَنها نزلت فى فوارس مشركين يهلون بعمرة ، فقال المسلمون : هؤلاءِ مشركون نغير عليهم كما أَغار الحكم علينا ، وهذا يوم فتح مكة ونسخ بقوله تعالى : ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ وعن ابن جريج لا نسخ لجواز أَن يبتدى المشركون فى الأَشهر الحرم بالقتال ، وقيل لم ينسخ من الآية إلا القلائد .

﴿ وإِذا حَلَلْتُمْ ﴾ من الإِحرام المذكور بقوله وأَنتم حرم ﴿ فَاصْطَادُوا ﴾ إِن شئتم ، فالأَمر للاباحة بعد الحظر كقوله تعالى : ﴿ فإِذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأَرْض ﴾ فإِن علة حرمة الاصطياد وترك البيع معللة بالإحرام والاشتغال بأُمورالصلاة وبالصلاة ، فوجب أَن تنتهى الحرمة بانتهاءِ علتها ، فيرجع الحكم إِلى أَصله من الإِباحة ، أَنه قيل : فقد أبحت لكم الصيد ، وهذا مذهبنا ومذهب أَكثر الفقهاءِ وأَكثر المتكلمين لقرينة سبق الحظر ، وقيل؛ للوجوب ونسبه الاسفرايينى إِلى الفقهاء كلهم وأَكثر الشافعية وأَكثر المتكلمين وهو غلط ، إِذ لم يتفق عليه الفقهاءِ؛ ووجه الوجوب فى هذا القول إِما المبالغة فى صحة المباح حتى كأَنه واجب ، وإِما وجوب اعتقاد الحل فيكون التجوز فى مادة الاصطياد ، كأَنه قيل : اعتقدوا حل الصيد ، وهو ضعيف إلا أَن يئول إلى معنى وجوب اعتقاد تمام الواجب والفراغ منه ، ووقف إمام الحرمين فى ذلك . ﴿ وَلاَ يَجَرِمَمَّكُمْ ﴾ لا يحملنكم فيقدر على فى قوله أَن تعتدوا أَو لا يكسبنكم فيكون أن تعتدوا مفعولا ثانياً كما إِن كسب الثلاثى يجوز أَن يتعدى لاثنين . ﴿ شَنَآنُ ﴾ بغض ﴿ قَوْمٍ ﴾ مشركين أَى إبغاضكم قوماً ، وهذا أَولى من تفسيره بإِبغاض قوم لكم وهو فعلان بالفتح مصدر ، أَو قل فى المصدر فعلان بالإِسكان كلواه وليان فى الصفة كعدوان بفتح الدال بمعنى شديد العداوة وتيس عدوان أَى كثير السير وحمار قطوان عسير السير والمراد هنا المصدر ، وقرىء بالإسكان وأَجازوا فى كل من الإسكان والفتح الوصف والمصدر . ﴿ أَنْ صَدُّوكُمْ ﴾ أَى لأَن صدوكم أَى لأَجل صدهم إِياكم عام الحديبية ، وهذا مما يقوى أَن المعنى شنئانكم قوماً لأَنه يصح أَنكم أَبغضتم القوم لأَن القوم صدوكم ، لا أَبغضكم القوم لأَنهم صدوكم ، إِلا تكلف أَ ، المعنى أَنه ظهر إِبغاضهم إِياكم بصدهم ، والمنهى لفظاً الشنئان وفى الحقيقة المخاطبون ، ووجهه أَنه نهى عن أَن يؤثر فيهم الشنئان الموصل إِلى الاعتداءِ وهو أَبلغ من النهى عن الاعتداء . ﴿ عَنِ الْمَسجِدِ الحَرامِ ﴾ عن أن تدخلوا الحرم فتطوفوا بالكككعكبة وتسعوا بين الصفا والمروة للعمرة . ﴿ أَن تَعْتَدوا ﴾ عليهم بالقتل وغيره انتقاماً ، وهذا غير منسوخ ولو كان فى قوم مشركين حوبيين لأَن المعنى لا تقتلوهم وتضروهم لحظوظ أَنفسكم ، فافعلوا ذلك لله عز وجل ، أَو نهوا عن التعرض لهم من حيث عقد الصلح الذى وقع فى الحديبية ، والآية نزلت قبل الفتح لأَن مكة بعد الفتح فى أَيدى المسلمين لا يصدهم المشركون عنها . وإِن نزلت بعد الفتح فالمعنى لصدهم إِياكم إِن صدوكم . ﴿ وَتَعَاوَنُوا ﴾ فعل أَمر وفاعل . ﴿ عَلَى الْبِرِّ ﴾ فعل ما أَمرتم به والعفو والإغضاء . ﴿ وَالتَّقْوَى ﴾ ترك ما نهيتم عنه ومجانبة الهوى . ودخل فيها مناسك الحج كما قال الله عز وجل : ﴿ فَإِنَّهَا من تَقْوَى القُلُوب ﴾ ﴿ وَلاَ تَعَاوَنُوا ﴾ لا تتعاونوا . ﴿ عَلَى الإِثْمِ ﴾ المعاصى بينكم وبين الله . ﴿ وَالْعُدْوَانِ ﴾ المعاصى بينكم وبين الخلق ابتداء أًو انتقاماً حيث لا يجوز . ودخل فى ذلك النهى عن التعاون على الاعتداءِ والانتقام . وعن ابن عباس وأَبى العالية ، الإِثم ترك ما أَمرهم به وارتكابما نهاهم عنه ، والعدوان مجاوزة ما حده الله تعالى لعباده فى دينهم وفرضه عليهم فى أَنفسهم ، قدم التحلية وهى المعاونة على البر والتقوى على التخلية وهى الإِثم والعدوان مسارعة إِلى ذكر ما هو المقصود بالذات . ﴿ وَاتَّقُوا اللهَ ﴾ خافوه إِجلالاً وللعقاب على المعاصى . ﴿ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ على العصاة .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٧١