سورة المائدة
الجزء المائدة · صفحة ٠قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ ءَامِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ ﴾ .
ذكروا أن رجلاً سأل ابن عمر عن أعظم الشعائر فقال : أوفي شك أنت منه؟ هذا أعظم الشعائر ، يعني البيت .
قوله : ﴿ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ ﴾ فكان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة .
قوله : ﴿ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ ﴾ . ذكروا أن مجاهداً قال : كانوا يعلّقون لحاء الشجر في أعناقهم وكان هذا من الشعائر؛ فقال أصحاب النبي عليه السلام : هذا من أعمال الجاهلية ، فحرّم الله ذلك كله في الإِسلام ، يعني الآية : ﴿ لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الحَرَامَ وَلاَ الهَدْيَ وَلاَ القَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ ﴾ ، يعني الحجاج؛ إلا القلائد في أعناق الناس فإنه ترك . ثم أمر بقتال المشركين فقال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ [ التوبة : 28 ] وهو العام الذي حج فيه أبو بكر ونادى فيه علي بالأذان .
قال بعضهم : كان أحدهم يعلق قلادة من لحاء السمر إذا خرج من مكة فيقول : هذا حرمي ، فلا يعرض له حيثما توجّه؛ فنسخ آمين البيت الحرام ، وهم حجاح المشركين فقال : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . وتفسير آمين ، يؤمون ، [ يقصدون ] البيت الحرام .
وقال الكلبي : إنما كانوا يستحلون فيصيبون الهدي وأصحاب القلائد .
وكانت القلائد أن الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً ليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر ، فأمِن به إلى مكة . وإذا خرج من مكة يعلّق من لحاء شجر مكة فأمِن به إلى أرضه .
قوله : ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ . قال بعضهم : الفضل والرضوان اللذان كانوا يبتغون أن يصلح الله معيشتهم في الدنيا ، ولا يعجل لهم العقوبة فيها . وقال مجاهد : ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ : التجارة .
قال الكلبي : نزلت فيما بلغنا في رجل من بني بكر بن وائل من بني قيس بن ثعلبة؛ قدم على النبي بالمدينة فقال يا محمد ، ما تأمرنا به وما تنهانا عنه؟ فأخبره النبي بالذي له وبالذي عليه في الإِسلام . فلم يرض فقال : أرجع إلى قومي فاعرض عليهم ما ذكرت ، فإن قبلوا كنت معهم ، وإن أدبروا كنت معهم على هذا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لقد دخل علي بوجه كافر ، وخرج من عندي بقفا غادر ، وما الرجل بمسلم » فلما خرج من أرض المدينة مرّ بسرح من أهل المدينة فانطلق به ، فبلغ الخبر أهل المدينة فطلبوه فسبقهم . وحضر الحج ، فأقبل تاجراً حاجاً فبلغ ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأرادوا أن يطلبوه فيقتلوه فيأخذوا ما معه ، فنهوا عنه في هذه الآية .
وكان ذلك قبل أن يؤمروا بقتال المشركين .
وقال الكلبي في قوله : ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ : التجارة بعد الحج . وأما الرضوان فالناس كانوا يحجّون بين مسلم وكافر قبل أن تنزل هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ [ التوبة : 28 ] وأصحاب الرضوان المسلمون .
قوله : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ أي إذا رمى أحدكم جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ له كل شيء ، إلا النساء والطيب فحتّى يطوف بالبيت . وهي رخصة إن شاء اصطاد وإن شاء ترك . يقول : ( إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) وقال في آية أخرى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ [ المائدة : 95 ] .
قوله : ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ ﴾ قال بعضهم : لا يحملنكم بغض قوم ﴿ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ﴾ . قال الكلبي : يعني بالقوم أهل مكة؛ يقول : لا تعتدوا عليهم لأن صدوكم عن المسجد الحرام؛ وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم .
وقال مجاهد : هو رجل مؤمن من حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم قتل حليفاً لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة ، لأنه كان يقتل حلفاء النبي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لعن الله من يقتل بذَحْل الجاهلية » .
قال : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ ، قال الحسن : هذا حين صدّوه يوم الحديبية عن المسجد الحرام .