حُرِّمَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡمَیۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِیرِ وَمَاۤ أُهِلَّ لِغَیۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّیَةُ وَٱلنَّطِیحَةُ وَمَاۤ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّیۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُوا۟ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡیَوۡمَ یَئِسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن دِینِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِی مَخۡمَصَةٍ غَیۡرَ مُتَجَانِفࣲ لِّإِثۡمࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ٣
الرسم الإملائيّ
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
الجزء ٦الربع ٤٣ صفحة ١٠٧
تفسيرها
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ﴾ أي : رفع الصوت به لغير الله ، وهو قولهم : باسم اللات والعزَّى ، أو نحو ذلك عند ذبحه ، ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ قيل : كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت ، يذبحون عليها ، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها ، تسمى الأنصاب واحدها نصبٌ ، أو هو جمع ، والواحد نصاب قال أبو سعيد : (( فأجمع أهل التأويل أنه ما ذبح من الأنعام الحلال أصلها ، ولم يذكر اسم الله عليها بشيء من الآلهة غير الله ، أنها حرام ، وأنها لاحقة بقوله : ( وما ذبح على النصب ) ، ( وما أهل به لغير الله ) )) . ﴿ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ﴾ هو طلب القسم ، والحكم ، من الأزلام هي القداح المعلّمة ؛ قيل : كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو غير ذلك ، تعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منهما مكتوب : (( أمرني ربي )) ، وعلى الآخر : (( نهاني ربي )) ، والثالث غفل ؛ فإن خرج الأمر مضى لحاجته ، وإن خرج الناهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاده ؛ فمعنى الاستقسام بالأزلام ، طلب معرفة قسمٍ له مما لم يقسم له . قال الزجاج : (( لا فرق بين هذا ، وبين قول المنجمين : لا تخرج من أجل نجم كذا ، واخرج لطلوع نجم كذا )) ، وقيل هو الميسر . ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ أي : الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة ، ويحتمل أن يعود إلى كلِّ محرَّم في الآية .
﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ يئسوا منه أن يبطلوه أو يغلبوه ، لأن الله وفّى بعهده من إظهاره على الدين كله ، أو لا يطمعوا في الارتقاء به مع وقوف أنفسهم في بحبوحة هواهم ، ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار ، وانقلابهم مغلوبين بعد ما كانوا غالبين ، ﴿ وَاخْشَوْنِ ﴾ أي : أخلصوا إلي الخشية .
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ بالنصر والإظهار على الأديان كلِّها ، أو بالتنصيص على قواعد العقائد ، والتوفيق على أصول الشرائع ، وقوانين الاجتهاد ، وأكملت لكم ما تحتاجون له في تكليفكم ، من تعليم الحلال والحرام ، والتوفيق على شرائع الإسلام وقوانين القياس . ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ بالهداية والتوفيق ، أو بكمال الدين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم ، ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ أي : اخترته لكم من بين الأديان ، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ متصلٌ بذكر المحرّمات ؛ وقوله : ( ذلكم فسق) اعتراض أكد به معنى التحريم ، وكذا ما بعده لأنه تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل ، والنعمة التامة ، والإسلام المرضي دون غيره من االملل ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أي : جهد في مجاعة ، والمخمصة : خلو البطن من الغذاء ؛ نقول : رجل خميص البطن : إذا كان طاويا خاويا ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ﴾ غير مائل له ومنحرف إلى إثم ، وعلامته أن يأكل متلذّذا مجاوزاً أخذ الرخصة ، فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ } لا يؤخذه لما هو مضطرٌّ إليه ، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بإباحة المحظور للمعذور .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٧٢
قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ أي : ما ذبح لغير الله . ﴿ وَالمُنْخَنِقَةُ ﴾ . قال بعضهم : المنخنقة : التي تختنق في حبلها فتموت ، كانوا يأكلونها . ﴿ وَالمَوْقُوذَةُ ﴾ كانوا يضربونها بالخشبة حتى تموت ثم يأكلونها . ﴿ وَالمُتَرَدِّيَةُ ﴾ التي تتردّى في بئر فتموت فيأكلونها . ﴿ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ الكبشان ينتطحان فيموت أحدهما ، كانوا يأكلونه . ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ أي إلا ما أدركتم ذكاته .
قال بعضهم : كل ما أدركتم من هذا كله ، ما خلا الخنزير ، من عين تطرف ، أو قائمة ترتكض ، أو ذَنَب يتحرّك ، فأدركت ذكاته ، فذكرت اسم الله عليه ، فقد أحلْ الله لك أكله .
ذكروا عن بعضهم قال : إنما تكون الذكاة في العين والطرف والرجل . ثم أنزل الله بعد ذلك : ﴿ اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ [ المائدة : 5 ] . والطعام الذبيحة في تفسير مجاهد والناس .
قوله : ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ . قال بعضهم : هي حجارة كان يعبدها أهل الجاهلية فيذبحون لها .
قوله : ﴿ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ﴾ قال بعضهم : قِداح كانوا يستقيسمون بها في الأمور ، فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ قِدحاً فقال : هذا يأمرني بالخروج ، وأنا مصيب في سفري خيراً ، ويأخذ قِدحاً ويقول : هذا يأمرني بالمكوث ، ولست بمصيب في سفري خيراً ، والمنيح بينهما ، فنُهوا عن ذلك .
وقال الكلبي : إذا كانت بينهما مداراة جعلوا لكل رجل سهماً وللحضر سهماً ، ثم أجالوا السهام ، فمن خرج سهمه فهو أولى بالحق . وكانوا يجعلون للسفر سهماً وللحضر سهماً ، ثم يقولون : ربنا أيهم كان خيراً لفلان فأخرجه؛ فأيهما خرج رضي به .
وقال مجاهد : كانوا يجعلون ذلك لكل سفر وحرب وتجارة .
قوله : ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ يعني أن الله حرَّمه .
قوله : ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ . قال بعضهم : ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله يوم عرفة ، يوم جمعة ، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام وأخلص الله للمسلمين حجَّهم . قال : وفي تفسير بعضهم : فلم يحجَّ بعدُ مشرك .
ذكروا عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية : ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ وعنده رجل من اليهود فقال اليهودي : لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً . فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين : يوم جمعة ويوم عرفة .
وقال الكلبي : نزلت يوم عرفة حين فرغ من تنزيل الحلال والحرام فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، غير أنه في سورة البقرة على رأس ثمانين ومائتي آية : ﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 281 ] . نزلت هذه الآية بمنى بعد يوم النحر في حجة رسول الله التي يقال لها : حجة الوداع ، والآية التي في آخر سورة النساء مُخْرَجَةُ إلى حجة الوداع : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ ﴾ .
. . إلى آخر السورة؛ وكان يقال لها آية الصيف .
وقال الحسن : ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ أي يئسوا أن يستحلوا فيه ما استحلوا في دينهم ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ .
﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ يعني باليوم زمان النبي عليه السلام كله . ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ أي بالجنة . قال : ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ .
قوله : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أي في مجاعة خمص لها بطنه . رجع إلى الكلام الأول في قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ ﴾ . . . إلى آخر الآية ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ أي غير متعمِّد لإِثم ، في تفسير الحسن . وقال بعضهم : غير متعرّض لمعصية الله . قال الله : ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٧٢
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المِيتَةُ ﴾ أَكلاً وانتفاعا بلبس أًو فرش أَو تغطية أَو ستر أَو ثمن فإِنها لا تباع ولا تشترى ولا تعوض لشىء ، وهى الحيوان البرى الذى له دم ، خرجت روحه بلا ذكاة من ذبح أو نحر أَو اصطياد بمحدد أَو جارحة واختلف فى خشاخش الأَرض مما لا دم فيه وفى الذباب . ﴿ والدَّمُ ﴾ المسفوح كما فى سورة الأَنعام الطحال والكبد ، وكان أَهل الجاهلية يفصدون البعير ويشوون دمه ويأَكلونه ، وكذا يفعلون فى دم الذبيحة ، وحرمت الإمامية الطحال وعن على كراهته . ﴿ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ ﴾ وسائر أَجزائه لقوله تعالى : ﴿ فإِنه رجس ﴾ فإِن الخنزير كله رجس وخص اللحم بالذكر لأَنه معظم ما يقصد ، وأَباحت الظاهرية داود وأَصحابه غير لحمه لظاهر الآية ، وهو خطأ وعن قتادة : من أَكل لحم الخنزير استتيب وإِن لم يتب قتل ، فقيل : لأَن أَكله صار اليوم علامة كفر كالزنار ، وفيه أنه لعله أَكله بغير استحلال وإِنما يقتل لو استحله ولم يتب ، وفى الخنزير صفات رديئة منها : أَنه عديم الغيرة يرى خنزيراً على أنثاه ولا يتعرض له ، وله غرض عظيم ورغبة شديدة فى المشتهيات ، فحرم أَكله لئلا يرث أَكله تلك الصفات . ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله ﴾ رفع الصوت لغير الله ، وذكر الرفع لأَنه حالهم ، والرفع والخفض والنية سواء فى التحريم ، فيكون فى الآية استعمال مقيد فى مطلق ﴿ بِهِ ﴾ بذكره مثل أَن يقول عند تذكيته باسم اللات أَو باسم العزى ، وهو حرام ولو ذكر الله وغيره معا . ﴿ والْمُنْخًنِقَةُ ﴾ مطاوع خنق المتعدى ، أَو مطلق حصول احباس الحلق ولو بلا شد أَحد أَو شىءٍ عليه حتى ماتت ، وكان الجاهلية يخنقون البهيمة ويأكلونها . ﴿ والموْقُوذَةُ ﴾ المضروبة بخشبة أَو حجر أَو حديد أَو بندق البارود وبندق القوس أَو غير ذلك حتى ماتت ﴿ والمتردِّيةُ ﴾ الساقطة عمداً أَو بلا عمد من عال كجبل وسطح وفم بير وماتت . ﴿ والنَّطِيحَةُ ﴾ المنطوحة وماتت بالنطح ، والتاء فيهن للنقل من الوصفية ، ومعنى هذا عندى أَنه ساغت التاء لأَنهن فى الأَصل أَوصاف ، وشأْن الوصف فى الجملة أَن يؤنث إِذا كانت لمؤنث وإِلا فبعد النقل لا تستحق التاء كما لا يحسن أَن نقول فرسة وحمارة والتاء فى قولهم حقيقة اعتبار لكون الأَصل كلمة حقيقة ، وإذا قيل لفظ حقيقة فلقصد معنى الكلمة واللفظة باللفظ ، وزعموا أَن معنى كون التاء للنقل من الوصفية أَنها تلحق لتدل على تغلب الاسمية عليها وعلى عدم احتياجها إِلى الموصوف ، ويجوز هنا استشعار الوصفية مثل قولك الدابة أَو البهيمة الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ، وقال بعض الكوفيين : إذا لم يذكر الموصوف فليست التاء للنقل . ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾ منها أَو ما أَكل السبع بعضها وماتت كذئب ونمر وأَسد وهر والكلب المعلم والطير المعلم ونحوهما من السباع المعلمة المرسلة للصيد ، أَو أَكل بمعنى قتل مجازاً وإنما قلت ذلك لأن ما أّكله وقوته لا يتصور أَن يأَكله أَحد .
﴿ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ وقد أَدركتم حياته مما أَهل لغير الله به ، وما بعده كله فحلال وهو الصحيح . قال الباقر والصادق : أَدنى ما تدرك به الذكاة حركة الأذن أَو الذنب أَو الجفن ، وبه قال الحسن وقتادة وإِبراهيم وطاووس والضحاك ، وظاهره أَنها حلال ، ولو لم يخرج الدم ولم تتحرك بعد أَن أَيقن أَنها حال الذبح حية . وقال الكلبى : استثناء عائد إِلى قوله : وما أَكل السبع خاصة ، والذكاة قطع الحلق والحلقوم ، وكماله قطع الودجين معهما كما قيل أَن الذكاة فى الغة تمام الشىء وذلك بقطع الأَوداج وإنهار الدم ، وقيل لا تحل إِن لم يقطعا وهو الصحيح ، ويلتحق بها ما صيد بمحدد أَو جارحة أَو طعن فى أََى موضع لضرورة ولو فى واحد من الأَنعام ، إِذا ند أَو توعر بحيث لا يوصل إِلى ذكاته ، وقيل تحرم المتوعرة ولحق بها أَيضاً النحر حيث لا يصادف الحلق والحلقوم والودجين ، والذبح فوق الجوزة . وإِدراك الحياة يتصور بطرف أَذن أَو تحرك ذنب أَو رجل أَو غيرهما مما يدل على الحياة ، وذكر التفتازانى أَنه تعرف الحياة بالاضطراب وسيلان الدم بعد التذكية وأَنه لا يكفى الحياة قبلها ، وهو المشهور عندنا . لكن إن تصور اضطراب بعد الذكاة بلا دم حلت أَيضاً ، وكذا يقول كل أَحد ، وقال مالك والزجاج وابن الأنبارى : إِذا أَصابها ما لا تحيا معه لم تؤثر معه الذكاة؛ لأَن معنى التذكية أَن يلحقها وفيها بقية تشخب معها الأَوداج وتضطرب اضطراب المذبوح لوجود الحياة فيه قبل ذلك . وفيه أ ، المراد إِزالة الحياة الموجودة وذلك حاصل فهى حية عجل بموتها . ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ ولو بلا ذكر لاسمها فلم يتكرر مع قوله : وما أَهل لغير الله به . والعطف على ما حرم ، والنصب جمع نصاب بالكسر كحمار وحمر ، أَو مفرد وجمعه أَنصاب وهو ما ينصب من الحجارة يذبحون عليه حول الكعبة للأصنام ، وهى غير مصورة ولا منقوشة . وقيل هى الأَََصنام لتعبد وتعظم ، وقيل تلك الحجارة ثلآثمائة وستون حجراً حول الكعبة تذبح الجاهلية عليها ، وعلى أَولى من اللام لصدقها على الأصنام والحجارة ، ولو قال للنصب لاختص بالأَصنام ، وإِذا كان ما أَهل لغير الله به يعاد ذبحه ويحل إذا أَدرك حياً فأَولى أَن يحل ما ذبح على النصب بلا ذكر لاسمها إِن أَدرك حياً وأَعيد ذبحه ، ويجزى الذبح بعد النحر والنحر بعد الذبح فى ذلك كما شمله قوله : ذكيتم ، وعطف على المحرمات بقوله : ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ﴾ أَى تحصلوا القسمة أَو الأنصباء بالأَقداح والمفرد زلم بفتح الزاى واللام أَو بضم الزاى وفتح اللام ، وهو القدح بكسر القاف وإسكان الدال وهو سهم صغير لا نصل فيه ولا ريش ، وهن سبعة تكون عند خادم الأَصنام مستوية مكتوب على واحد أَمرنى ربى وعلى آخر نهانى ربى وعلى واحد منكم وعلى آخر من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى واحد العقل ولا يكتب على واحد وهو غفل أَو يكتب عليه غفل ، إِذا أَرادوا سفراً أَو تجارة أَ تزوجا أَو اختلفوا فى نسب أَو أَمر قتيل أَو دية أَو نحو ذلك مما يعظم جاءوا إلى بيت إلى الأَصنام وقيل إِلى أَكبر أَصنامهم هبل بمكة فى الكعبة بمائة درهم وأَعطوها صاحب الأَقداح فيجيلها لهم فإِن خرج أَمرنى ربى فعلوا ذلك الأَمر ، وإ ، خرج نهانى ربى لم يفعلوا ، وإذا جالوا على نسب فان خرج منكم كان وسطاً فيهم وإِن خرج من غيركم كان حلفاً فيهم وإن خرج ملصق كان على حاله ، وإِن اختلفوا فى العقل وهو الدية فمن خرج عليه العقل تحمله وإن خرج الغفل أجالوا ثانياً حتى يخرج المكتوب عليه ، فحرم الله ذلك .
وقيل الاستقسام طلب معرفة أَجزاء الجزور بالأَقداح العشرة الفذ والتوءَم والرقيب والحلس والناقص والمسبل والمعلى ولهن أَقسام من الجزور على ما اعتادوه ، والسفيح والمنبح والوغد ، ولا نصيب لهن ، يجمع ثلاثة رجال ويشترون جزوراً ويجعلون لحمها ثمانية وعشرين ، للفذ سهم وللتوءَم سهمان وللرقيب ثلاثة وللحلس أَربعة وللناقص خمسة وللمسبل ستة وللمعلى سبعة ، ويجعلون الأَزلام فى خريطة يحركها الرجل فيخرج باسم كل رجل قدحاً ، ومن خرج له قدح جعله للفقراء ولا يأَكل منه ، يفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم أَى اللئيم ، وحمل الآية على هذا غير راجح ، لأَن قوله عز وجل : يسأْلونك عن الخمر والميسر يغنى عنه ، وكذا يغنى عنه قوله عز وجل : إِنما الخمر . . إِلخ ، وقيل ثلآثة كتبوا على أَحدها أَمرنى ربى وعلى الثانى نهانى ربى والثالث غفل لا يكتبون عليه شيئاً ، فإِن خرج الآمر مضوا أَو الناهى اجتنبوا وإِن خرج غفل أَجالوها ثانياً ، وهكذا ، وعن مجاهد الأَزلام سهام العرب وكعلب فارس التى يتقامرون بها ، وقال وكيع : إِنها أَحجار الشطرنج . ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أَى البعيد فى الكفر من الاستقسام أَو الميسر أَو أَكل ما حرم عليهم من الميتة والدم وما بعدهما إِلى قوله بالأَزلام وتحريم الطيبات الذى يستشعر بالمقام . ﴿ فِسْقٌ ﴾ خروج إِلى ما حرم الله ، لأَن طلب ما قسم لهم وتمييز ما لم يقسم بالأَزلام توصل إِلى علم الغيب بغير الله بخلاف الاستخارة بالقرآن والصلاة فإنها استعلام بالطريق المشروع ، بل الاستخارة استدعاء الخير من الله عز وجل لا طلب علم الغيب ، ولا ظلم فيها وليس فيها أَكل ما بباطل بخلاف الاستقسام فخطر فى أَكل مال بباطل فهراً لا برضى ، وهم بنية سوء وغى اتكال على غير الله ، ويستيقنون بالأَصنام ويقصدون الوصول إلى علم الغيب فى ذلك فإن أَرادوا بربى الصنم فشرك أَو الله فافتراء عليه ، فمن أَين لهم أَنه أَمره بذلك أَو نهاه ، وأَيضاً يمشون إِلى بيت الأَصنام بها أو إِلى كبيرها بالقرآن .
وعن مالك كراهتها وفعله على وابن مسعود ، وعن على يقرأ من أَراد الفأل قل هو الله أَحد سبعاً ويقول ثلاثاً اللهم بكتابك تفاءَلت وعليك توكلت اللهم أَرنى فى كتابك ما هو المكتوم من سرك المكنون فى غيبك ثم ينظر فى أَول صحيفة . . ﴿ اليَوْمَ ﴾ المعهود الحاضر يوم عرفة حجة الوداع إذ نزلت الآية بعد عصره وهو يوم جمعة ، أَو هذا الوقت المذكور وما بعده من الأَزمنة على الاستمرار ، وهذا أَولى لأَن الإِياس مستمر وحمله على ذلك اليوم يتم باعتبار أَنه فاتحة الأَيام وأَن الأَصل فى الثابت دوامه وأَنه أَيسوا منه لما بعد ، وقيل يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع وقيل سنة ثمان ، وعبارة بعض ، وقيل يوم نزول الآية وهو الذى فى البخارى ومسلم عن عمر وهو متعلق بقوله ﴿ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾ من إِبطال دينكم أَى من إِبطالكم إِياه بأَن ترتدوا عنه بتحليل هذه الخبائث وغير ذلك مما هو شرك ، أَو يئسوا من إبطال دينكم أَى من إبطالهم إِياه بأَن يغلبوكم فيندرس دينكم ويفشو دينهم . نزلت لما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فى حجة الوداع فلا حاجة بكم إِلى مداهنة الكفرة إِذ لا يطمعون فى قهركم ولا فى تغيير دينكم ، وروى أَنه لما نزلت الآية نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموقف ولم ير إِلا مسلماً ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ أَن يظهروا على دينكم بتغييره ولا عليكم بالقتل والإضرار . ﴿ وَاخْشَوْنِ ﴾ وحدى لا مع الكفار أَن أُعاقبكم على المخالفة إِن خالفتم ، فقد أَمرتم بترك خشيتهم ﴿ الْيَوْمَ ﴾ المذكور قيل متعلق بقوله ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ بنصركم ونصر دينكم على غيره وعلى سائر الأَديان ، وبالتنصيص على ما يعتقد وينطق به ويفعل وليس الدين قبل ذلك ناقصا إلا على معنى أَنه سيزاد على الموجود منه إِذ لم يكافوا إِلا بما أنزل من حين أنزل ، ودين كل زمان كامل ، وكل من مات من الصحابة قبل ذلك مات كامل الدين ، إِلا أَن دين كل زمان أَشد كمالا مما بعده إِلى أَن تم القرآن ، كما أَن شرعنا أَكمل من شرع من قبلنا ولا نقص معيب فى شىء من ذلك ، والإِتمام شىء زائد على الكمال ، وقال الطبرى : الإِكمال انفرادهم بالبلد الحرام عن المشركين . ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ﴾ بأَن هديتكم إِلى دين الإِسلام ووفقتكم على العمل به وأَكملته لكم ، وبينت لكم الحرام كالميتة وما بعدها ، وبفتح مكة ودخولكم آمنين ومحو معالم الكفر ، والنهى عن حج المشركين وعن أَن يتركوا الدخول مكة وطواف العريان ، وأَعطاكم من العلم ما لم يعط غيركم ، وسهلت الاجتهاد بنحو القياس لكم ، فالدين فى نفسه كامل بنصوصه وما يستنبط منه بالاجتهاد والقياس فالآية دليل للاجتهاد والقياس لا إِبطال لهما كما زعم من زعم ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ ﴾ عن سائر الأَديان ، ﴿ دِيناً ﴾ اخترته لكم فلا دين عند الله إِشلا هو ، ودينا حال أَو تمميز وهو أَولى لجموده فلا حاجة إلى تأْويله بالمشتق مثل متعبد أَو مفعول ثان على معنى وجعلت لكم الإِسلام دينا ، قال قتاده بمثل لأَهل كل دين دينهم ثوم القيامة ، وأَما الإِيمان فيبشر به أَصحابه ويعدهم بالخير حتى يجىء الإِسلام فيقول : يا رب أَنت السلام وأَنا الإِسلام ، فيقول الله تعالى إِياك اليوم أَقبل وبك أَجزى وليس اليوم قيدا لرضى الإِسلام فانه مرضىمن أَوله ، وإِنما المراد أَثبته لكم لا ينسخ ، وعلى حال تامة لا مزيد عليها بعد أَن كان يزداد ، فلا بأْس بالعطف على أَكملت المقيد باليوم ولا حاجة إِلى دعوى أَنها مستأْنفة مع أَن الواو تمنع الاستئناف ، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ عطف على ذلكم فسق أَو على حرمت إِلخ ، وتفريع بالفاء على ذلك واعتراض بينهما بما يوجب التجنب على تلك المحرمات والتمسك بتحريم تناولها ، كأَنه قيل بعد ذكرها لا تخافوهم فى مخالفة شريعتكم فإِنى أَنعمت عليكم بقهرهم وإِذلالهم واليأْس من أَن يغيروا دينكم فالواجب عليكم الإِقبال على تحريم ما حرم وإِيجاب ما أَوجب واستحباب ما استحب وإِباحة ما أَباح وكراهة ما كره فلا تتناولوا تلكم المحرمات إِلا اضطرارا فمن ألجىءَ إِلى ضر كموت أَو عمى أَو بكم أَو نحو ذلك بشدة الجوع إِن لم يأْكل من تلك المحرمات كما قال ﴿ فِى مَخْمَصَةٍ ﴾ أَى خواء البطن من الجوع ﴿ غَيْرَ مُتَجَنِفٍ ﴾ مايل أَو مقارف .
﴿ لإِثْمٍ ﴾ مثل أَن ينزع من مضطر آخر لا يحل قتله ، ومثل أَن يأَكل فوق ما يسد به الرمق أَو فوق ما يدفع به الضر أَو يأكل تلذذا مع تلك الضرورة ، أَو اضطر إِلى ذلك لإِيقاعه فى معصية كسفر لها وكهروب كن أَحد أَو حق ما من الحقوق يطالب به ، ولا يضر التلذذ الضرورى فى النفس . وقال أَهل المدينة : يجوز أَن يشبع عند الضرورة . ﴿ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أَى فلا إِثم عليه ، كما فى سورة أُخرى لأَن الله غفور رحيم ، أَو وجب عليه التناول من تلك المحرمات لأَن الله غفور رحيم ، أَو الجواب فإِن الله غفور رحيم ، على معنى لا يؤاخذ بأَكله ، ولما نزل اليوم أَكملت لكم دينكم الآية ، بكى عمر رضى الله عنه فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك يا عمر؟ قال أَبكانى أَنا كنا فى زيادة من ديننا ، والآن كمل ولا يكمل شىء إِلا نقص . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : صدقت ، فكانت هذه الآية تعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فما لبث إِلا أَحدا وثمانين يوما بعدها ، ولم ينزل بعدها إِلا قوله تعالى :
﴿ واتقوا يوما ترجعون فيه إِلى الله ﴾ إِلخ . وعن ابن عباس نزلت بعدها آية الكلالة فقط . قال يهودى لعمر رضى الله عنه : يا أَمير المؤمنين ، آية فى كتابكم تقرأُونها لو علينا معشر اليهود نزلت لأَخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أَى آية؟ قال : اليوم أَكملت لكم دينكم وأَتممت عليكم نعمتى ، الآية . قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذى نزلت فيه على النبى صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة بعد العصر ، أَراد رضى الله عنه أَنا قد اتخذناه عيدا مع المكان إِلا أَنه تكدر علينا بنعيه صلى الله عليه وسلم .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٧٢