تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة المائدة

الجزء المائدة · صفحة ٠
[سورة المائدة — آية 24]

﴿ قَالُوا ﴾ لموسىعليه السلام ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب ، وهما اللذان قال الله فيهما ﴿ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بمخافتهما الله : نحن أعلم بالقوم من هؤلاء ، إن القوم قد ملئوا منا رعباً . ﴿ ادْخُلُوا عَلَيِْهِمُ البَابَ ﴾ قال مجاهد : باب مدينة الجبارين ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قال الكلبي : قالوا : يا موسى أيُكذّب منا عشرة ويُصَدّق اثنان؟ ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ . وكان موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء حديداً ف ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ أي : وأخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ يعني قومه .

﴿ قَالَ ﴾ الله لموسى : إذ سميتهم فاسقين : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ ﴾ أي فلا تحزن ﴿ عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ فتاهوا أربعين سنة .

قال الكلبي : لما قالوا ﴿ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً ﴾ قال الله : فإنها محرمة عليهم أبداً ، مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة . قال : فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى؛ هلكوا أجمعون في التيه إلا رجلين : يوشع بن نون وكالوب ، وأنزل الله عليهم في تلك الأربعين سنة المن والسلوى وثياباً لا تخرق ولا تدنس ، تشبّ مع الصغير ، وخِفافاً لا تخرق ، فكان لهم ذلك في تيههم حى دخلوا أَريحاً مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء .

وقال بعضهم : ذكر لنا أن يوشع بن نون وكالوب بعثوا اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً عيوناً لهم ليأتوهم بأمر القوم . فأما عشرة فجنبوا وكرهوا الدخول إليهم . وأما يوشع وصاحبه فأمرا بالدخول فاستقاما على أمر الله ورغبا قومهما في ذلك . وقال بعضهم : جبن القوم عن عدوهم وتركوا أمر ربهم . قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، إنما يشربون ماء الآبار ، لا يهبطون قرية ولا مصراً ، لا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك .

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ . قال بعضهم : ذكر لنا أنه كان فيها قوم لهم أجسام وَخَلق منكر . قوله : ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ﴾ ، أي حتى يخرج الجبارون منها ، ﴿ فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ، أي فإذا دخلتم باب مدينة الجبارين فإنكم غالبون . ﴿ وَعَلَى الله فتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .

قال الحسن : قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أبداً في الإِضمار ، ثم قال : ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ . أربعين سنة كانوا يرتحلون من المنزل فيسيرون يومهم وليلتهم ، ثم يصبحون حيث ارتحلوا ، أربعين سنة عذاباً عذّبهم الله بدعوة موسى .

قال مجاهد : كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا ، وفي تيههم ذلك ضرب لهم موسى الحجر . قال الله : ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ .

ذكر لنا أنه كان طول موسى سبعة أذرع ، وطول عصاه سبعة أذرع ، ووثب من الأرض سبعة أذرع فأصاب كعب ذلك الجبار الذي قتل . وذلك أنه بلغنا أنه أشرف على عسكرهم يريدهم .

٦٩٣ / ٦٬٢٣٦