تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة المائدة

الجزء المائدة · صفحة ٠
[سورة المائدة — آية 3]

قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ﴾ أي : ما ذبح لغير الله . ﴿ وَالمُنْخَنِقَةُ ﴾ . قال بعضهم : المنخنقة : التي تختنق في حبلها فتموت ، كانوا يأكلونها . ﴿ وَالمَوْقُوذَةُ ﴾ كانوا يضربونها بالخشبة حتى تموت ثم يأكلونها . ﴿ وَالمُتَرَدِّيَةُ ﴾ التي تتردّى في بئر فتموت فيأكلونها . ﴿ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ الكبشان ينتطحان فيموت أحدهما ، كانوا يأكلونه . ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ أي إلا ما أدركتم ذكاته .

قال بعضهم : كل ما أدركتم من هذا كله ، ما خلا الخنزير ، من عين تطرف ، أو قائمة ترتكض ، أو ذَنَب يتحرّك ، فأدركت ذكاته ، فذكرت اسم الله عليه ، فقد أحلْ الله لك أكله .

ذكروا عن بعضهم قال : إنما تكون الذكاة في العين والطرف والرجل . ثم أنزل الله بعد ذلك : ﴿ اليَومَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ﴾ [ المائدة : 5 ] . والطعام الذبيحة في تفسير مجاهد والناس .

قوله : ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ . قال بعضهم : هي حجارة كان يعبدها أهل الجاهلية فيذبحون لها .

قوله : ﴿ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ﴾ قال بعضهم : قِداح كانوا يستقيسمون بها في الأمور ، فكان الرجل إذا أراد سفراً أخذ قِدحاً فقال : هذا يأمرني بالخروج ، وأنا مصيب في سفري خيراً ، ويأخذ قِدحاً ويقول : هذا يأمرني بالمكوث ، ولست بمصيب في سفري خيراً ، والمنيح بينهما ، فنُهوا عن ذلك .

وقال الكلبي : إذا كانت بينهما مداراة جعلوا لكل رجل سهماً وللحضر سهماً ، ثم أجالوا السهام ، فمن خرج سهمه فهو أولى بالحق . وكانوا يجعلون للسفر سهماً وللحضر سهماً ، ثم يقولون : ربنا أيهم كان خيراً لفلان فأخرجه؛ فأيهما خرج رضي به .

وقال مجاهد : كانوا يجعلون ذلك لكل سفر وحرب وتجارة .

قوله : ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ يعني أن الله حرَّمه .

قوله : ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ . قال بعضهم : ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله يوم عرفة ، يوم جمعة ، حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام وأخلص الله للمسلمين حجَّهم . قال : وفي تفسير بعضهم : فلم يحجَّ بعدُ مشرك .

ذكروا عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية : ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ وعنده رجل من اليهود فقال اليهودي : لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً . فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين : يوم جمعة ويوم عرفة .

وقال الكلبي : نزلت يوم عرفة حين فرغ من تنزيل الحلال والحرام فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، غير أنه في سورة البقرة على رأس ثمانين ومائتي آية : ﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 281 ] . نزلت هذه الآية بمنى بعد يوم النحر في حجة رسول الله التي يقال لها : حجة الوداع ، والآية التي في آخر سورة النساء مُخْرَجَةُ إلى حجة الوداع : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَلاَلَةِ ﴾ .

. . إلى آخر السورة؛ وكان يقال لها آية الصيف .

وقال الحسن : ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ أي يئسوا أن يستحلوا فيه ما استحلوا في دينهم ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ .

﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ يعني باليوم زمان النبي عليه السلام كله . ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ أي بالجنة . قال : ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ .

قوله : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أي في مجاعة خمص لها بطنه . رجع إلى الكلام الأول في قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ ﴾ . . . إلى آخر الآية ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ أي غير متعمِّد لإِثم ، في تفسير الحسن . وقال بعضهم : غير متعرّض لمعصية الله . قال الله : ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

٦٧٢ / ٦٬٢٣٦