التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة المائدة

الجزء المائدة · صفحة ٠
[سورة المائدة — آية 3]

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ﴾ أي : رفع الصوت به لغير الله ، وهو قولهم : باسم اللات والعزَّى ، أو نحو ذلك عند ذبحه ، ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾ قيل : كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت ، يذبحون عليها ، يعظمونها بذلك ويتقربون به إليها ، تسمى الأنصاب واحدها نصبٌ ، أو هو جمع ، والواحد نصاب قال أبو سعيد : (( فأجمع أهل التأويل أنه ما ذبح من الأنعام الحلال أصلها ، ولم يذكر اسم الله عليها بشيء من الآلهة غير الله ، أنها حرام ، وأنها لاحقة بقوله : ( وما ذبح على النصب ) ، ( وما أهل به لغير الله ) )) . ﴿ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ﴾ هو طلب القسم ، والحكم ، من الأزلام هي القداح المعلّمة ؛ قيل : كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو غير ذلك ، تعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منهما مكتوب : (( أمرني ربي )) ، وعلى الآخر : (( نهاني ربي )) ، والثالث غفل ؛ فإن خرج الأمر مضى لحاجته ، وإن خرج الناهي أمسك ، وإن خرج الغفل أعاده ؛ فمعنى الاستقسام بالأزلام ، طلب معرفة قسمٍ له مما لم يقسم له . قال الزجاج : (( لا فرق بين هذا ، وبين قول المنجمين : لا تخرج من أجل نجم كذا ، واخرج لطلوع نجم كذا )) ، وقيل هو الميسر . ﴿ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ أي : الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة ، ويحتمل أن يعود إلى كلِّ محرَّم في الآية .

﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ ﴾ يئسوا منه أن يبطلوه أو يغلبوه ، لأن الله وفّى بعهده من إظهاره على الدين كله ، أو لا يطمعوا في الارتقاء به مع وقوف أنفسهم في بحبوحة هواهم ، ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ بعد إظهار الدين وزوال الخوف من الكفار ، وانقلابهم مغلوبين بعد ما كانوا غالبين ، ﴿ وَاخْشَوْنِ ﴾ أي : أخلصوا إلي الخشية .

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ بالنصر والإظهار على الأديان كلِّها ، أو بالتنصيص على قواعد العقائد ، والتوفيق على أصول الشرائع ، وقوانين الاجتهاد ، وأكملت لكم ما تحتاجون له في تكليفكم ، من تعليم الحلال والحرام ، والتوفيق على شرائع الإسلام وقوانين القياس . ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ بالهداية والتوفيق ، أو بكمال الدين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم ، ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ أي : اخترته لكم من بين الأديان ، ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ متصلٌ بذكر المحرّمات ؛ وقوله : ( ذلكم فسق) اعتراض أكد به معنى التحريم ، وكذا ما بعده لأنه تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل ، والنعمة التامة ، والإسلام المرضي دون غيره من االملل ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾ أي : جهد في مجاعة ، والمخمصة : خلو البطن من الغذاء ؛ نقول : رجل خميص البطن : إذا كان طاويا خاويا ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ﴾ غير مائل له ومنحرف إلى إثم ، وعلامته أن يأكل متلذّذا مجاوزاً أخذ الرخصة ، فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ } لا يؤخذه لما هو مضطرٌّ إليه ، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بإباحة المحظور للمعذور .

٦٧٢ / ٦٬٢٣٦